كتب : قيس المختار 
فاصلة / بغداد

مدّدوا الحظريا أبا دنيا، فلم أخبر "تيلدا " بفاجعة رحيلك.
مُذ رحيلُكَ عن دُنيا المشقّة الى رحمةِ الله، وإخلائي القسريّ لبيتي المؤجر الى بيتٍ آخر، تزامنًا مع فواجع كورونا، وفقدي للعديد من الأصدقاء والجيران الذين لا يقلون شيئًا عن روعتكَ وإنسانيتكَ، ومُذ تلك القطيعة الكبيرة التي أصابت الناس بسبب اجراءات الحظر والحجر الصحيّ، وأنا لا رغبة لي بشيء، لا بقراءة أو كتابة أو ردٍ على اتصالات ومراسلات الأصدقاء والمعارف. ليس أكثر من غمامة كآبة تُظللُ روحي يبن علوان. كنتُ أأمل أن نزور "تيلدا" للمرة الثالثة كما وعدناها، لكن شاءت الظروف أن تستعجل الرحيل يا محمد، لتتركني أقرر الالتقاء بها، لا لكي أُطلعها على مسودات روايتك الأخيرة التي لم ترَ النور، روايتك، التي قررتَ بعد تعرفكَ على "تيلدا" أن تمنح بطلتها اسم "تيلدا" بدلًا عن اسم إيمان الذي قررتَ تغييره بسبب كثرة ما يترتب عليك من كتابة الهمزات أسفل حرف الألف، وتعاطفًا انسانيًا منك لهذ الإنسانة المسيحية التي دارت حول معظم عواصم الدنيا سائحة لينتهي بها المطاف متسولة على قارعة رصيف شارع مجمعات الصناعات الإلكترونية قبالة الجامعة التكنلوجية.
كنا يومها قد التقينا ضُحى يوم الرابع من أيار المنصرم، وكان كل منا قد جاء "بلابتوبه" القديم العاطل ليصلحه في مُجمّع النبع. عاتبتكَ عن سبب تأخيركَ نشرَ
نصوصيّ الأربعة المُرسلة اليك على خاصك ، بغية نشرها في منتدى "غالب طعمة فرمان" تباعًا، كما طلبت مني، فأخبرتني أنها لم تصلك، ورحت تفتح خاص الماسنجر لتجدها متسلسلة أمام ناظريك، (افتقاد، أبناء الحرب، قفص، ليل ومقابر)! اعتذرتَ لي، وعدتني بنشرها سريعًا. بعدها رُحنا نتجولُ في المجمعات الخاصة بالأجهزة الالكترونية ونتعاملُ ونُجادلُ على أسعارها، والموظفون يشرحون لنا مواصفاتها، ويقترحون علينا شراء الأجود.
ثم التقطنا صورًا بطلبٍ لطيف منك لشاب جميل المُحيّا. بعدها، رحت تحدثني عن روايتك الجديدة بحبٍ غامر، لا أعرف لماذا كنتَ تمسكُ ذراعي ولا تُفلتها أبدًا، أو تحتضن كتفي ونحن نسير لصق بعض. تقف، تحادثني عن الموقع والحياة والأصدقاء، تنتبه الى شرودي عًما تحادثني به. تسألني عن سر الدمع الحائر في عيني؟
-مابك. حبيبي أبو مريم؟     أجيبكَ.
-أنظر أبو دُنيا.. خلفكَ تمامًا. تنظر. تقولُ بصوتكَ الهامس:
- يا الله!! لنذهب إليها. ما هذا الشكل العجيب؟
كانت "تيلدا" تحتضنُ عُكّازها وتنظرُ الينا بحنوٍ ودفء، بعينين خضراوين أودع الله فيهما كل الطيبة والحزن. وبشعرٍ أشيبٍ أبيض اللون، وهي ترتدي قميصًا أصفر اللون، قديم، وتنورة سوداء. كان الوقت ظهرًا، ألقينا عليها تحيتنا المشتركة:
-مرحبًا..
-مرحبًا بكما.
أسترسلنا بالحديث معها. كانت تعاني من آلامٍ أسفلَ ظهرِهَا. آلامٌ لا تُطاق، كما أخبرتنا باكيةً. هي ابنة عِز، هجرها المقربون وهربوا الى الخارج، بسبب تسلط الأحزاب التي تسرقُ باسم الله. أخبرتنا إنها في شبابها لفّت نصف الكرة الأرضية، بينما اليوم لا تجد ما تأكلهُ! خجلنا أن نُعطيها نقودًا. اقترحتَ عليها يا محمد أن تُودعها دارَ المُسنينَ بتوصياتٍ خاصةٍ فرفضتْ، اقترحتُ عليها أن تأتي معي وتعيش معنا كواحدةٍ من أسرتي. بَكتْ، قالت:- ما اسمكما؟ رأيتكَ تقولُ لها أنا محمد علوان جبر أبو دنيا وهذا أخي الذهب أبو مريم ، كلانا نكتب قصصًا وروايات. قالت:- ألله أحب القصص والروايات. سألت كلاكما مسلمين؟ قلنا:- كل منا إنسان. قلت لها، مريم وفاطمة، وعيسى ومحمد سراجات نور بمصبّات واحدة، والدليلُ ابنتي البِكر إسمُها مريم. وضعنا في يدها نقودًا، شكرتنا بخجل، أنت صافحتها، وأنا قبّلتها من رأسها ووادعناها.
في اليوم الثاني التقيناها، واقترحنا عليها الأمرين، قالت:- لن أسكن في دار الأيتام، لن يسمحوا لي بالخروج. قلتُ:- تعالي إذًا عِيشي مع أسرتي واحدةً منّا. قالت أين تسكن؟  قلتُ:- البلديات. قالت:- أنت غني؟ بيتك مُلك؟ قلت:- لا.. أسكن بيتًا مؤجرًا مساحته 75 مترًا وصاحبه يطلب مني الإخلاء. قالت:- فكيف سأعيش معكم وأنا امرأة كبيرة وأحتاجُ الى علاج وطعام؟ أجبتها دامعًا:- سنقتسمُ الرغيفَ يا تيلدا.  عندما خانتها أدمعها، أذكر أاننا ابتعدنا عنها قليلًا لنتداول أمرًا. 
:-أبو دنيا أسكنها يمنا.. نلكالها بيت ب300 ألف وآني وأنتَ نضغط على ارواحنا ونتشارك بالإيجار.. شتكول؟  قلت لي:- توكل أبو مريم.. وأكلها وملبسها يسهل إن شاء الله. قدمنا لها مقترحنا الجديد فرفضت. صمتنا معًا وتكلمت عنّا أدمُعنا. شكرتنا، قالت.. إنها تستعطي لتُعيلَ أختها المُسنّة المصابة  بأمراض الضغط والقلب والسُكّري، وأنّ رجُلاً طيبًا  أفردَ لهما غُرفةً صغيرةً في كراج قريب من الجامعة التكنلوجية. وجدتكَ تقول لها: سأجعلُ إسمَ بطلة روايتي "تيلدا" بدلًا عن إيمان. قلتُ لها:- وأنا سأكتبُ فيكِ قصةً أو قصيدة. بكت، طلبت منا أن لا نقطع بها. قالت:- يا للمسيح كم تحملان من اللطف والطيبة؟ نقدناها مالًا على قلّتهِ، وانسحبنا وقد تركنا أدمعنا تُسليَ وحشتها. أجهشتُ ببكاءٍ صامت، مسحتْ كفكَ أدمعي، قلت لي:- دموعك غالية يا ذهب. اتفقنا أن نُفاتح الأصدقاء لنقدم لها دعمًا، وجدتكَ توافقُ فورًا. عندما افترقنا، تذكرتُ شيئًا ونحنُ نقدمُ المقترحَ تلو الآخر لتيلدا. لم نكن نملكُ بالأمس أجرة تصليح جهازينا ! بل إن الحياة كانت تهرسنا، انا مهددٌ بالطرد من بيتي المؤجر-وهو ما حصل بعد رحيلك- وأنت كنت تأمل انجاز معاملة تعقيب لأحدهم، أخبرتني أن أجرها يؤمّن شراؤكَ  جهاز "آيباد" يكفي لخزن مسوداتكُ الأدبية فيه، فماذا لو كانت تيلدا قد قبلت بمقترح أن نؤجر لها دارًا مستقلة.. أكُنا نخلفُ ما وعدناها به.. بسبب عسر الحال؟ الجواب قطعًا كلا.
يومًا ما سينفكّ الحظر، وسينتهي بلاء الكورونا، وسأذهب الى المكان الذي تتواجد فيه "تيلدا"، سأجلسُ بقربها مثل عصفور جريح مبلول، وسأخبرها كيف أن الحياة قد شحّت علينا بإنسان مثلك. صدقني إن بقيت لي حياة، فسأوثق لحظة حزنها عليك. "تيلدا" إنسانة حقيقية وستبكي من أجلك، وستشعل لك شمعة بيضاء وتصلي من وضع الجلوس على راحة روحك. كم افتقدك يبن علوان؟