قادت إمارة الشارقة ضمن رؤيتها الحضارية مشروعاً نهضوياً كبيراً في الحفاظ على التراث الإماراتي، والإسلامي، والإنساني، فظلت تمضي بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لتؤكد أن التراث ذاكرة الحضارات التي لا يمكن للإنسان النهوض والتقدم من دون التمسك بها، والحفاظ عليها، بوصفها صورة لخصوصية الثقافات، وانعكاساً لهوياتها المتنوعة والمتعددة.

 

تتجلى ملامح هذا المشروع بالوقوف عند أبرز المبادرات، والمشاريع، والفعاليات التي تنفذها الشارقة، من خلال مؤسساتها الرسمية، والأهلية، إذ حملت أجندت العام الثقافية للإمارات العديد من الفعاليات والمهرجانات التي تعني بالتراث المحلي، وظلت مبادرات صاحب السمو حاكم الشارقة، تحرص على العناية بالتراث العربي، وتمتد لتشمل التراث الإنساني، بكافة أشكاله، المعماري، منه والشعبي، والثقافي، والأدبي.

 

 

جمعت الهوية الإماراتية على سيرتها التاريخية والثقافية

 

تتأكد رؤية الشارقة في الحفاظ على التراث بتتبع سيرة المنجز الحضاري الذي قادته على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي، إذ أعلنت اللجنة العليا لملف ترشيح منطقة قلب الشارقة ضمن مواقع التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" عن تحديث ملف منطقة قلب الشارقة الذي تقدمت به إلى مركز التراث العالمي في المنظمة المدرج في القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي تحت عنوان "الشارقة بوابة الإمارات المتصالحة".

 

حملت هذه الخطوة عدد من الأهداف كان أبرزها؛ إبراز الدور التاريخي الذي لعبته إمارة الشارقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً ضمن "مجلس الإمارات المتصالحة" والذي أنشئ في الشارقة إبان الاحتلال البريطاني للمنطقة، وجاء هذا الإنجاز بعد نحو عامين من موافقة المنظمة الدولية على اعتماد دراسة ملف طلب تسجيل الشارقة القديمة موقعاً تراثياً وضمه إلى لائحة مواقع التراث العالمي لديها وإدراجها على القائمة التمهيدية.

 

وظل صاحب السمو حكام الشارقة، يؤكد في الكثير من المحافل على أهمية التراث، وضرورة حفظه والعناية به، فقال: "إن البرامج التراثية تعد همزة الوصل التي تربط أبناء الجيل الحالي بتراث وماضي آبائهم وأجدادهم"، واستكمل رؤيته بتخصيص 1.5 مليون درهم لدعم دور النشر المشاركة في معرض الكتاب الإسلامي، ليشدد على أهمية تحري الدقة في المعلومات المقدمة للجمهور وتصحيح الأخطاء الشائعة حول التراث الإماراتي.

 

ولم يكتفِ سموه بهذه المبادرات والجهود، وحسب، وإنما أصدر مرسوماً أميرياً بشأن تنظيم وحماية التراث الثقافي في إمارة الشارقة، حيث وضع المرسوم رقم 5 لسنة 2017 أهدافه لتحديد الجهات المعنية بإدارة وحماية التراث الثقافي، والترويج للتراث الثقافي في كافة المحافل والفعاليات المحلية والإقليمية والعالمية، وعم على التنسيق فيما بين الجهات المعنية لتوحيد وموائمة التشريعات الخاصة بحماية التراث الثقافي، بما يتماشى مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

 

ونص المرسوم على أن تقوم كل من هيئة الشارقة للآثار ومعهد الشارقة للتراث وإدارة المتاحف في الإمارة وهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير )شروق(، كلٌ بحسب اختصاصه و بالتنسيق فيما بينها، بكافة المهام والصلاحيات والاختصاصات اللازمة لحماية وإدارة و ترويج التراث الثقافي، بما في ذلك وضع السياسات و الخطط الاستراتيجية اللازمة و العمل على تنفيذها، واقتراح مشروع القانون الشامل لحماية وإدارة وترويج التراث الثقافي بما يشمله من تراث عمراني وآثار وتراث معنوي ومقتنيات المتاحف التي تزخر بها الإمارة، إلى جانب الترويج للموروث التراثي والفكري الذي تزخر به الإمارة في كافة المحافل والفعاليات محلياً وإقليمياً وعالمياً.

 

وحرص مشروع الشارقة في رعاية التراث على تكريس المعالم الأثرية، والتراثية التي تبرز ملامح الهوية الإماراتية، على المستوى العمراني، والثقافي، حيث وجه صاحب السمو حاكم الشارقة، بصيانة الأسواق الشعبية في الشارقة التي احتلت مكانة بارزة في التجارة والتاريخ والأدب العربي القديم مثل: سوق العرصة، وسوق المسقوف، وسوق الشويهين، وسوق الصاغة، سوق صقر.

 

وأصدر سموه توجيهاته لإدارة التراث بترميم وتجديد المساجد التراثية التي كانت تعقد فيها التجمعات الدينية والتشريع والندوات، حيث اشتهرت في الشارقة العديد من المساجد القديمة والتي أعيد صيانتها، مثل: مسجد الدليل، ومسجد الخان، ومسجد الحيرة، ومسجد المنانعة، ومسجد اللية، وغيرها من المساجد.

 

وتكللت رؤية الشارقة في العناية بالتراث المحلي، بإنشاء إدارة التراث، إذ تأسست في العام 1995 لتكون واحدة من مؤسسات دائرة الثقافة والإعلام، العاملة على حماية وصيانة التراث من أهم البنى الأساسية لنهضة وتقدم الشعوب، وتتحول في السنوات السابقة إلى معهد منفصل مختص بالتراث المحلي، والعربي، والإسلامي، بصورة عامة.

 

قاد المعهد منذ كان إدارة تابعة لدائرة الثقافة والإعلام حتى اليوم الكثير من النشاطات والمبادرات، على مستوى تنظيم المهرجانات، وإصدار المؤلفات المعنية بالتراث، وحملات البحث، والتنقيب عن المعالم الأثرية، إذ بات مهرجان أيام الشارقة التراثية الذي ينظمه المعهد واحداً من أبرز الفعاليات الثقافية الكبرى على مستوى الإمارات، والمنطقة، فأحيا أبرز الفنون الشعبية والحرف والمهن الشعبية التي كانت تمارس قديماً، لتشمل فعالياته، الحرف والمهن التراثية، وبيت الخراريف، والمقهى الشعبي، والسوق الشعبي، وجناح الملتقى الوطني للصيد والقنص، وغيرها من الفعاليات.

 

وتضمنت إنجازات المعهد افتتاح مكتبة حملت "اسم الموروث" متخصصة في مصادر التراث من كتب ومراجع، لتكون مقصداً للباحثين ووجهة لطلاب العلم والمهتمين بالتراث الثقافي، إذ جمعت نوادر العلوم وفرائد الكتب، واشتملت على آلاف العناوين والمضامين في شتى مجالات المعارف والفنون.

 

أحيت دور المتاحف ونالت لقب عاصمة الثقافة الإسلامية

 

كرست الشارقة في إطار عنايتها بالتراث عدداً من المعالم السياحية والثقافية التي تشكل وجه الإمارة في توثيق وحماية التراث، فأسست متحف الشارقة التراث، الذي افتتح لأول مرة في منطقة التراث في عام 2005، ليعاد افتتاحه في بيت سعيد الطويل الشامسي في قلب الشارقة، فصار معلماً مؤهلاً لعرض الإرث الأصيل والثقافة الثرية لأهل الإمارات وسكان إمارة الشارقة ويستعرضها عبر العقود الماضية.

 

وتوسعت رؤية الشارقة من النطاق المحلي والعربي، لتشمل التراث الإسلامي، حيث أسست متحف "الشارقة الإسلامي"، في منطقة التراث في عام 1996، وأعيد افتتاحه كمتحف الشارقة للحضارة الإسلامية في السادس من يونيو عام 2008، ليكون معلماً واضحاً للراغبين في التعرف على تفاصيل مهمة من التاريخ الإسلامي، والعلوم، والاكتشافات، والثقافة الإسلامية، والتمتع بجمال الفنون الآسرة.

 

ونجحت الإمارة في تحقيق الحضور العالمي على مستوى العناية بالإرث والثقافة الإسلامية، إذ نالت لقب عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2014 تقديراً لإسهاماتها في المجال الثقافي محلياً وعربياً وإسلامياً.

 

وحرص صاحب السمو حاكم الشارقة، على تأكيد الهوية التراثية الإماراتية، والعربية، ونقلها إلى مختلف ثقافات العالم، ففي الزيارة التي نفذها الأمير تشارلز للإمارة، انتقل سموه والأمير لزيارة المركز الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي "إيكروم – الشارقة" الواقع ضمن مبنى معهد الشارقة للتراث حيث تعرف الضيف على المركز الذي تأسس بالتعاون ما بين حكومة الشارقة والمركز الدولي لدراسة حفظ وترميم الممتلكات الثقافية.

 

 

جهود سباقة في رعاية التراث العربي والإنساني

 

شكل دور صاحب السمو حاكم الشارقة نموذجاً رائداً في حماية تراث المنطقة، فلم تقتصر جهوده على رعاية التراث الإماراتي المحلي، وإنما امتدت لتشمل التراث العربي، والإسلامي، والعالمي، حيث كانت له مبادرة في ترميم وإعادة بناء كنيسة أرمينيا التي يتجاوز عمرها 1000 عام، ليؤكد بذلك على حجم الصلات الإنسانية السامية التي تجمع البشر، فقال في حديثه عن المبادرة: "البشر في هذا العالم تجمعهم جوانب توحدهم، وعلينا كبشر أن نركز على هذه الجوانب ونترك كل ما يخالفها".

 

مقابل هذا الجهود السامية، وجه سموه برعاية الكتب والمخطوطات التي طالها حريق المجمع العلمي المصري خلال السنوات الأخيرة، فعملت الدار على ترميمها، وارجاعها إلى المجمع، وتعهد بترميم المجمع العلمي على نفقته الخاصة حبا وعرفانا لمصر، إلى جانب ذلك أعلن عن تبرعه بنسخ نادرة من المخطوطات لدار الوثائق المصرية.

 

وكانت جزيرة سواكن السودانية التراثية على موعود مع رعاية سمو حاكم الشارقة، حيث زار فريق من الخبراء والمختصين من المركز الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي – ايكروم الشارقة، بتوجيهات من سموه، جزيرة سواكن بالسودان، في مهمة رسمية، وأجرى الفريق عدة زيارات ميدانية للجزيرة والمناطق التاريخية المحيطة بها، وناقشوا خطة عمل لإعادة إحياء المدينة وتأهيلها لحفظ تراثها الطبيعي والإنساني، وتنمية المجتمع المحلي، وتعزيز السياحة الثقافية والطبيعية.

 

ولا تتوقف مسيرة الشارقة في رعاية التراث والحفاظ عليها عند كل هذه الجهود، وحسب، وإنما تتواصل، بسلسلة من المبادرات، والحملات، والمشاريع الكبرى، فصاحب السمو حاكم الشارقة، أرسى رؤاها في الإمارة، حتى بات التراث هو المساحة التي تلتقي فيها الإنسانية، لتؤكد قدرتها على الحوار والتعايش رغم حجم التنوع، والتعدد، والإختلاف.