الذكاء العاطفي أو الذكاء الوجداني وبالإنجليزية (EMOTIONAL INTELLIGENCE ) أو أيا من المسميات أو العناوين تريد، وهو مسمى عناوين دورات وكتب ومقالات اعتدنا على سماعها ورؤيتها في دورات تطوير الذات والتنمية البشرية والتي غالباً ما يبادر بعض الناس إلى حضور مثل هذه الدورات والندوات وشراء الكتب المتخصصة في ذلك. 

ولا شك أن تطوير الذات وتنميتها أمر مطلوب وشيء جميل طالما يخدم الإنسان ويعمل على تطوير وتنمية مهاراته بما يخدم المجتمع الانساني بشكل إيجابي . 

وقبل الخوض بعمق في عنوان المقال، قد يتساءل البعض، وما علاقة الذكاء العاطفي في الأمور والقضايا السياسية؟؟ وهل للمهارات الشخصية دور في رسم سياسات الدول وتوجهاتهاالاستراتيجية؟؟؟

ثم هل يُعقل ان نُقحم مواضيع تطوير الذات والتنمية البشرية في العلاقات الدولية والأمور السياسية؟؟؟ 

تساؤلات جميلة وراقية تستحق الوقوف عندها.. 
ولكن قبل البدء في الإجابة على هذه التساؤلات وذكر بعض الأمثلة والشواهد حول تطبيق الذكاء العاطفي في السياسة الاماراتية، حريّ بِنَا أن نشرح مفهوم الذكاء العاطفي ( أو الذكاء الوجداني كما يحلو للبعض ). 
 فالذكاء العاطفي باختصار ينقسم إلى جزءين هما: 
1. فهم الذات ثم إدارتها (أو فن التعامل معها).
2. فهم الآخرين ثم إدارتهم (أو فن التعامل معهم). 

والذي نعنيه (بفهم الذات ) ، أي فهم الإمكانات والقدرات الشخصية ونقاط القوة والضعف فيها فهماً حقيقياً واقعياً وليس مجرد أوهام وأماني  وخداع الذات دون واقع حقيقي لذلك .
ثم يتبع ( فهم الذات ) ، الإدارة الصحيحة لهذه الذات ولهذه  المنظومة الشخصية وكيف يتعامل مع نقاط القوة التي يملكها ويعززها ويعمل على تفادي نقاط الضعف ويحسنها سعيا للوصول الى أفضل النتائج وتحقيق أهدافه التي يصبو إليها.
وبلا شك فإنه لا يخلو أي شخص على وجه الأرض من نقاط قوة ومن نقاط ضعف أو فرص تحسين تحتاج إلى معالجة، والنَّاس مختلفون في هذا من حيث تعزيز نقاط القوة لديهم وتجاوز نقاط الضعف لديهم. 

والمعني " بفهم الآخرين" هو فهم مشاعرهم وأحاسيسهم ومتطلباتهم وما يحبون وما يكرهون، ثم كيف التعامل مع هذه النماذج المختلفة من البشر واحترام خصوصياتهم ومشاعرهم، بمعنى آخر قد نطلق عبارة " إدارتهم بالطريقة التي تناسبهم وترضيهم دون التقليل من شأنهم أو كبريائهم". 

ويتفاوت الناس في تطبيق " الذكاء العاطفي" على أرض الواقع، وقد يعود ذلك الى تفاوت خبراتهم في الحياة والمهارات التي يمتلكونها، وكذلك يعود إلى نوعية الأشخاص الذين يتعاملون معهم والبيئة المحيطة بهم، لأن من الناس من لا ينفع معهم أي ذكاء عاطفي أو حتى ذكاء اصطناعي، وهؤلاء نقول في حقهم " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات". 

وعودا إلى سياسات الدول والتي قد يرى البعض أنها يحكمها فقط منطق القوة والمصلحة، وهو منطق يحتاج إلى إعادة التفكير فيه، فإن هذا الأمر، أي " الذكاء العاطفي " قد ينطبق كذلك على العلاقات بين الدول فيما بينها، سواء على المستوى الرسمي والحكومات أو على المستوى الشعبي. 

ولتقريب ذلك نقول فإن مقتضى "الذكاء العاطفي" على المستوى السياسي بين الدول هو أن تعرف كل دولة وظيفتها الحضارية التي تعبر عن وجودها في التاريخ والثقافة وسِيَر  رجالها ومصادر القوة التي تملكها، ومن ثم التعرف على إمكاناتها وقدراتها ثم ترسم سياستها الداخلية والخارجية وفق ذلك بما يحقق هذه الوظيفة الحضارية، ثم هي تفهم طبيعة الدول الأخرى وإمكاناتها وتحترم سياساتها وقدراتها وثقافاتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وبالتالي تضمن استمرارية العلاقات الودية مع باقي الدول القائمة على التكامل الذي يعكس حاجة دول العالم إلى بعضها البعض لتستمر الحياة. 
وعوداً  الى عنوان المقال " الذكاء العاطفي في السياسة الإماراتية"، وطبقا لتعريف الذكاء العاطفي كما أسلفنا مسبقا والذي ينقسم إلى جزءين  فنقول: إن دولة الامارات نجحت بفضل الله عز وجل ثم بفضل رؤية القيادة السياسية الحكيمة، نجحت بامتياز في تطبيق مفهوم " الذكاء السياسي العاطفي " وذلك وفق ما يلي: 

أولا: فيما يخص " فهم الذات "، فإن دولة الإمارات نجحت في فهم واستيعاب ما تملك من موارد طبيعية وبشرية وموقع جغرافي وإمكانات متنوعة  سواء في امتدادها في الماضي أو وضعها في الحاضر والمستقبل، ثم عملت وفق ما توفر لديها من إمكانات وطاقات  على استراتيجية واضحة ومدروسة المعالم  ضمنت به سعادة شعبها وتوفير كل سبل العيش الكريم له، واستوعبت دولة الإمارات ذاتها وأعلنت من أول يوم لإعلان قيامها أنها تنتهج نهج المحبة والإخاء والسلام والخير لكل الناس بغض النظر عن أصولهم أو أعراقهم أو أجناسهم أو أديانهم، وترجمت ذلك عمليا من خلال مواقفها المعلنة على المستوى الدولي والمحلي،  ويتبين ذلك جليا من خلال فهمها لطبيعة شعبها وما يحب وما يكره، فعملت على إسعاد شعبها من خلال توفير كل سبل العيش الكريم حيث التعليم مجاني (داخل وخارج الدولة) والعلاج مجاني (داخل وخارج الدولة) والسكن مجاني بالإضافة إلى منح مواطنيها أراض زراعية وتجارية وصناعية بل وتوفير صناديق دعم للمشاريع الصغيرة والجديدة إضافة إلى توفير ورش ودورات تخصصية المقبلين على التجارة وتوفير الدعم الإداري والقانوني والتشريعي لذلك. 

والأمر هنا يتوسع في ذكر مجالات نجاح القيادة الإماراتية في فهم شعبها والنجاح بامتياز في التعامل الإيجابي مع هذه المتطلبات بنفس طيبة ومحبة لشعبها الأمر الذي نتج عنه أكبر نتيجة وأثر سياسي في المنطقة حيث أن فورة ما يسمى " بثورات الربيع العربي " (على الرغم من عدم اقتناعي بهذا الاسم)، هذه الثورات الهوجاء لم تجد لها مكانا في الإمارات ولله الحمد، حيث إن علاقة " الذكاء العاطفي" بين القيادة والشعب تجلت بارزة في أعلى صورها ، وأصبحت مثالاً ونموذجاً يحتذى في التماسك والتلاحم والثقة المطلقة في القيادة التي عبرت عن رفضها لكل هذه الدعاوى، وفشلت المخططات الخارجية في إرباك الشارع الإماراتي، سواء على مستوى المواطنين او المقيمين، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الهدوء السياسي العام الذي كانت تعيشه الإمارات إبان الثورات العربية (وما زالت بفضل الله تنعم بذلك)، حيث إنه في الوقت الذي يتقاتل فيه الناس شرق وغرب الوطن العربي، كانت الأوضاع في الإمارات مغايرة ومختلفة، حيث كان ينعم الناس بالهدوء والطمأنينة سوى قلقهم على باقي إخوانهم العرب. 
ثانيا: فيما يخص " بفهم الآخرين " ثم " فن التعامل معهم "، فإن ذلك يتبين جليا وواضحا لكل ذي لُب وكل منصف، والحديث هنا قد يطول وسرد الأمثلة والشواهد قد تطول، ولكن اختصارا نقول: إن السياسة الإماراتية نجحت بامتياز في " فهم الآخر " والتزمت بما يحب ويكره، واحترمت خصوصيات الآخر وثقافاته المتنوعة، واحترمت أديان الآخرين وأعراقهم وأجناسهم، واحترمت سياسات الدول الأخرى، واحترمت المعاهدات والمواثيق العربية والدولية، وقد نوجز ذلك في نقاط سريعة وفق ما يلي : 
1. انضمام دولة الإمارات الفوري إلى المعاهدات والمواثيق العربية الدولية والالتزام بها، سواء الالتزام المادي أو المعنوي أو الدعم السياسي لها، وسخرت لذلك كل الامكانات والطاقات والخبرات لذلك، واستشهادا لذلك، يكفي دعمها العسكري لأشقائها العرب والمسلمين بل ولغير المسلمين ممن وقع عليهم الظلم والعدوان، وقدمت فلذات أكبادها وزينة شبابها شهداء باذن الله في سبيل نصرة المظلوم.
2. لم يشهد التاريخ القديم والحديث اعتداء دولة الإمارات على حدود أي دولة أو تعديها على سيادة أي دولة كانت في شرق الدنيا أو غربها سواء كان اعتداء عسكريا او تعديا سياسيا أو تجاوزا اعلاميا. 3. سعت دولة الامارات جاهدة إلى تبني القضايا الثقافية والإنسانية والأدبية والعلمية  العالمية من خلال مساهماتها البارزة في دعم هذه القضايا ومن أمثلة ذلك برنامج نور دبي لدعم مشاريع علاج أمراض العيون، وبرنامج الشيخ محمد بن زايد لمحاربة الملاريا مع مؤسسة بيل جيتس العالمية ، وكذلك المؤتمر الدولي للحفاظ  على التراث الإنساني العالمي والذي عُقد في ابوظبي  ، واستضافة الإمارات لمقر منظمة ارينا العالمية، ومبادرات محمد بن راشد العالمية، ومشاريع هنا وهناك تدار على مدار الساعة، الأمر الذي نتج عنه حصول الإمارات على المركز الأول دوليا ولمدة عاميين متتالين في حجم المساعدات المقدمة مقارنة بحجم دخلها السنوي. 

وعندما نأتي إلى الجزء الثاني من الذكاء العاطفي و " فن التعامل مع الآخر " فإن هذا ديدن قادة الإمارات وشعبها باحترام الاخر أيًّا كان الامر الذي نتج عنه احترام العالم كله لأهل الامارات وقادتها ، ويكفي دلالة على ذلك بأن جواز السفر الإماراتي هو الأقوى عربيا من خلال تمكن تنقل مواطني الإمارات إلى معظم دول العالم دون تأشيرة مسبقة، ويكفي أن يقدم الإماراتي نفسه بأنه من دولة الإمارات حتى يجد كل ترحيب وتقدير. 

وللأمانة فإن أكثر ما قادني إلى كتابة هذه السطور هي الزيارة التاريخية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى الهند، لا لشيء سوى مشاركة الشعب الهندي فرحته باليوم الوطني له، وما نتج عن هذه الزيارة من زيادة أطر المحبة والود بين الشعبين قبل الحكومتين هذا فضلا عن وسائل الاعلام التي غطت هذه الزيارة، وما زاد من ثقل هذه الزيارة هي المشاركة الفاعلة والمتميزة من قواتنا المسلحة الباسلة من خلال المشاركة في العرض العسكري الرسمي للهند، وهي سابقة تاريخية لم تحدث، وزاد من جمالية هذه المشاركة هو عزف المقطوعات العسكرية الإماراتية في ذاك الاحتفال الوطني الهندي ، مما أوجد مزيدا من الفخر والاعتزاز بقواتنا المسلحة، ففي الوقت الذي تشارك به قواتنا المسلحة جمهورية الهند  فرحتها، نجدها هناك في اليمن الشقيق تغيث الملهوف وتساند الجار والصديق ضد عدو غاشم مجرم، وهناك في أفغانستان تقدم الدعم والطعام للاجئين، وفِي البحرين الغالية تساهم في الحفاظ على استقرار درة الخليج ودلمونها ، إضافة الى ما قدمته من دعم سخي للبنان من خلال مشروع نزع الألغام، وفِي البوسنة، وفِي الصومال وغيرها وغيرها من الدول ، والدماء الطاهرة لشهداء الامارات  شاهدة على ذلك .

ومن شواهد " الذكاء العاطفي الإماراتي" هي مشاركة الامارات أفراح الشعوب وأتراحهم من خلال أمور قد تكون بسيطة في نظر وتنفيذها امر بسيط لكنها كبيرة  في معناها ومضمونها، ومن ذلك تغيير ألوان المباني والجسور بألوان إعلام الدول سواء في فرح تلك الدول أو حزنها. 
ومن شواهد ذلك، المشاركة الوجدانية العاطفية  من خلال مباني وجسور الإمارات الشهيرة بالأعياد الوطنية للدول، وآخرها وضع العلم الهندي على برج خليفة احتفاء باليوم الوطني للهند، هذه المشاركة الرمزية البسيطة تركت أثرا إيجابيا قويا في نفوس الهنود على المستوى الرسمي والشعبي، وكذلك ما نراه من مشاركة برج خليفة في وضع أعلام بعض الدول على البرج وكذلك جسور العاصمة أبوظبي، اضافة ما نراه من تميز في الأداء ولحمة وتقاربا بين شعوب المنطقة ما اعتادت عليه أجهزة المطارات في دولة الامارات من استقبال الأشقاء بالورود وأعلام دولهم احتفاء بأعيادها الوطنية. 

وكذلك المشاركة الوجدانية في تفجيرات باريس الشهيرة ووضع العلم الفرنسي على المباني الشهيرة بالدولة وغيرها من الأمثلة التي تعزز حكمة وحنكة اهل الامارات قيادة وشعبا وحبهم للاخر. 

إن المتطلّع إلى السياسة الإماراتية يجدها وكأنها كتلة واحدة بين القيادة السياسية والشعب، وهي لا تتجزأ ، ويلاحظ أن السياسة الإماراتية تعبر بشكل لا جدال فيه عن تطلعات وآراء الشعب الإماراتي بكامل وجدانه، وهو ( أي الشعب الاماراتي ) يفخر بقيادته السياسية في قيادة سفينة الإمارات إلى ما تتطلع اليه من آمال وطموح وأمنيات .
إن هذه السياسة الحكيمة  تعبر أصدق تعبير عن روح الإمارات التي تعمل على تعزيز التسامح والسلم والأمن والسعادة ليس فقط في حدود الوطن ولكنها في حدود العالم أجمع. 
ودولة الإمارات ماضية بإذن الله بكل ثقة واقتدار نحو تحقيق طموحات شعبها بما لا يضر مصالحها، لا يضرها بإذن الله من خذلها، وقد يصدق في ثبات دولة الإمارات على نهجها السلمي والمضي نحو تحقيق أهدافها بكل هدوء ودون صراخ او عويل وتحقيق الإنجاز تلو الإنجاز  ما قاله الشاعر في وصف الماضي نحو النجاح بكل هدوء وثقة :

من لي بمثل سيرك المدللِ * تمشي رويدا وتجي في الأولِ.
نعم من لي بمثل السير المدلل للامارات  ( حفظها الله ) وتحقيقها الإنجازات المتنوعة بكل هدوء وبكل ثقة وبكل توازن .

 حفظ الله الإمارات وقادة الإمارات وشعب الإمارات وجيران الإمارات وأشقاء الإمارات وأصدقاء الإمارات وكل محب للإمارات وكل الشعوب المحبة للإمارات وللسلام، حفظهم جميعا من كل شر، وكفانا الله شرور أعداء الإمارات وجعل شرورهم في نحورهم. 
اللهم آمين اللهم آمين 
محبكم ومحب الامارات 
الدكتور / ابراهيم الدبل