عاودتُ البحث عن عمل، فوجدتُ فرصة معقولة في أحد مصانع الأدوية في عمّان. ذهبت إلى المقابلة، وعلى الرغم من ضآلة المرتّب، إلا أنني قبلت بها، خصوصاً وأنها في مختبر مراقبة الجودة، حيث يجري فحص عيّنات من كل تشغيلة لضمان مطابقتها المواصفات المعتمدة.
تحدّد يوم مباشرة العمل على أن يبدأ الدوام في الساعة السادسة صباحاً. كانت أياماً رمضانية صيفية لاهبة، وعندما وصلت إلى المصنع في اليوم الأول، فوجئت أنهم قد عيّنوا فتاة جديدة بدلاً مني للعمل في المختبر، وتم تحويلي إلى الوحدات الإنتاجية.
عانيت الأمرّين على مدى أكثر من شهرين، سواءً من ناحية مواعيد الدوام، الذي أصبح بنظام الورديات بعد عيد الفطر، أم من ناحية أجواء وطبيعة العمل التي تتطلب مجهوداً جسمانياً، ولا تحتاج إلى 4 سنوات في دراسة الكيمياء. ناهيك عن أسلوب تعامل الإدارة مع العاملين. صبرت وتحملت كثيراً، إلى أن طفح بي الكيل ظهيرة ذات يوم بعد جدال حاد مع المشرف، فخلعت المعطف الأبيض والكمّامة والقبعة والنظارة الواقية، وغادرت المصنع مستقيلاً!
عُدتُ من جديد إلى التردد على الجامعة، وكان أساتذتي الأفاضل يسألون ويستفسرون دائماً عما يحدث معي من تطورات بخصوص العمل. وفي أحد الأيام، أخبرني زميل بأن البروفيسور مروان كمال، عميد كلية العلوم في ذلك الوقت، يسأل عني. ذهبت للقائه، فقال لي: "توجه إلى كلية الطب، وقابل الدكتور يحيى الدجاني، فهو يعمل على بحث، ويريد مساعداً بعقد لمدة سنة، وأنا واثق من قدرتك على أداء هذه المهمة".
استقبلني الدكتور الدجاني هاشاً باشاً، وشرح لي طبيعة العمل، التي كانت تتلخص في جمع عينات دم من المستشفيات وعينات كبدية من مسالخ الماشية في مختلف مدن الأردن، وإعداد جداول إحصائية وتحضير شرائح مخبرية سيجري تدريبي على تحضيرها في مختبرات كلية الطب ومستشفى الجامعة.
بدأتُ التدرب في مختبر الأنسجة، وكان الدكتور الدجاني حريصاً على تدريبي على كافة المهارات في مختبرات مستشفى الجامعة، التي تُجرى فيها الفحوصات المتقدمة. كنت أعرف كثيرين من طلبة كلية الطب، وكلما رآني أحدهم وعرف أنني أعمل مع الدكتور يحيى الدجاني، علّق قائلاً: "الله يعينك على هالوقعة"! فقد كان شديداً وحاداً في تعامله. لكنني، والحق يقال، لم ألمس من الدكتور الدجاني إلا المعاملة الجيدة والاحترام والتقدير وتوثقت علاقتي معه، حيث استضافني في منزله مرات عدة. وقد أخبرني فيما بعد أنه تقصّى عني من مصادر عدة. ولا تزال تربطني علاقة صداقة بالدكتور يحي الدجاني، حيث أزوره في بعض المرات التي أتردد فيها على عمّان.
هناك علاقة وثيقة بين مختبر الأنسجة والطب الشرعي. فبالإضافة إلى فحص مخلفات العمليات الجراحية والتشخيص بفحص الخزعات (عينات نسيجية تؤخذ من المرضى، وغالباً لتشخيص السرطان وأمراض أخرى)، فإن تقارير المختبر تلعب دوراً حاسماً في حل بعض القضايا والكشف عن الجرائم، وخصوصاً الوفيات التي تحمل شبهات جنائية. وفي أحد الأيام، طلب مني الدكتور أن أدخل معه إلى غرفة العمليات لأخذ عينات من شخص متوفى! فرفضت رفضاً قاطعاً، لكنه تفهم الوضع ولم يجبرني على ذلك.
بعد أشهر ثلاثة من العمل في كلية الطب ومختبرات مستشفى الجامعة، استدعاني الدكتور ذات مساء وأخبرني بأنه استقال من الجامعة وسوف يؤسس مختبراً خاصاً. وقع الخبر عليّ كالصاعقة، لكنه قال: "لا تقلق، لن أتخلى عنك إذا أردت الاستمرار في العمل معي". لم يكن أمامي من خيار سوى القبول. بدأنا العمل في مختبر للأنسجة في إحدى المستشفيات الخاصة كمرحلة انتقالية، وباشرنا في ذات الوقت تجهيز المختبر، الذي استلمناه مجرد شقة خالية في عمارة بجبل عمّان. فتوليت، بالإضافة إلى تحضير عينات الأنسجة للفحص صباح كل يوم، متابعة أعمال التمديدات الصحية والتجهيزات واستلام الأثاث المكتبي والتخليص الجمركي على المعدات والأجهزة والأدوات المخبرية.
كنت أبدأ العمل في التاسعة صباحاً، ويعيدني الدكتور بسيارته إلى حيث أسكن في الواحدة ليلاً. انقطعت عن العالم الخارجي، وأصبح همّي اختلاس ساعات قليلة للنوم وأخذ قسط من الراحة. عافت نفسي الطعام وسُدّت شهيتي، وتقلص وزني، لكن الشيء الوحيد الذي حافظت عليه هو شراء ومطالعة الصحيفة اليومية.
مع اكتمال تجهيز المختبر، كنت قد اتخذت قراري بالمغادرة في أواخر أيار (مايو) 1981. فوجئ الدكتور بهذا القرار المفاجئ، وحاول ثنيي عنه. قال لي: "هل أنت مجنون؟! نحن أسسنا المختبر معاً. هل تريد زيادة في مرتبك؟ سأعطيك ما يكفيك. أنت تحمل شهادة في الكيمياء، ابق معي خمس سنوات، وسوف يحق لك بعدها وفقاً لقانون وزارة الصحة إصدار ترخيص لفتح مختبر خاص بك. أما إذا أردت السفر للعمل في الخارج، فسوف أساعدك من خلال علاقاتي". لكنني كنت "قد فاض بي ومليت على رأي أم كلثوم" ولم أعد أحتمل العبث بالأنسجة ومنظر الدم وغيرهما من العيّنات والمخلّفات الآدمية ورائحة الفورمالين.
اقترح عليّ بعض الزملاء من قدامى خريجي الكيمياء أن أعمل في المبيعات. كان الكثيرون منهم يشغلون مواقع جيدة إدارياً ومالياً في شركات محلية كبرى أو وكالات أجنبية. كنا نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع في مقر جمعية خريجي الكيمياء بجبل اللويبدة. أخبروني عن توفر فرصة عمل في إحدى الشركات التي تزود المصانع والمختبرات الطبية بمتطلباتها من الأجهزة والأدوات والمواد الكيماوية. عملتُ لشهرين في تلك الشركة، إلا ان التجارة لم ترق لي، ويبدو أيضاً أنني لم أرق لها على الإطلاق. فقد اكتشفت أنني مجرد بائع في مستودع، يعني "دُكّنجي" وأنا لم أخلق لهذه المهنة أبداً. أما وإن كان لا بد من ذلك، فإن من الأفضل لي والحالة هذه، ان أبيع الأحذية في محل والدي!
تركتُ العمل في الشركة، وعُدت إلى نابلس في نهاية الصيف على نية الاستقرار هناك، والعمل مدرساً لمادة الكيمياء في إحدى المدارس الحكومية أو الخاصة، إلا أن ابن عمي المرحوم صبحي عمر، الذي كان قد التحق بصحيفة البيان منذ تأسيسها، وصل في ذات الوقت من دبي في إجازته السنوية حاملاً تأشيرة زيارة لي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. ركبت الطائرة للمرة الأولى في حياتي، ووصلت إلى دبي يوم 19 أيلول (سبتمبر) 1981.
وللحديث صلة