بدا لي المهندس صلاح مثقفا متفردًا بامتياز، صحيح أنه مهندس كهرباء متفوق، غير أنه قارئ نهم، وعاشق أصيل للآداب والفنون، وقد عرفته عن قرب قبل أكثر من نصف قرن، وأشهد أنه امتلك ذهنية مدهشة في رؤيته للأحداث الكبرى وتحليلها، هذه الرؤية لم يمتلكها الرجل من فراغ، وإنما نتيجة جهد كبير في القراءة والبحث والتأمل. ولد المهندس صلاح في 14 مارس من عام 1963 في حي شبرا البلد شمالي القاهرة، لأب بسيط يعمل ميكانيكيًا في مصانع النسيج، لكنه كان مثقفا عصاميًا بامتياز، وقد أنجب هذا الأب الفذ سبعة أبناء آخرهم صلاح، حيث ورثوا عنه شغفه الدائم بالحكمة والمعرفة، وافتتانه اللا محدود بالفن والأدب، وفي عام 1986 تخرج صلاح في كلية الهندسة بشبرا، ثم التحق بالعمل في وزارة الكهرباء. أذكر جيدًا قراءاته وهو طالب في الدراسة الجامعية وتنوع مجالاتها، فقد طالع دواوين شوقي ونزار وعبد الصبور وحجازي ومحمود درويش وأمل دنقل، وأبدى ملاحظات ذكية جدًا على تجربة هذه الكوكبة من شعرائنا الأفاضل، وأذكر أيضا انغماسه في عالم نجيب محفوظ وإعلانه غير مرة أن "الحرافيش" ستظل التحفة الخالدة في الأدب العالمي، لا الأدب العربي فقط، وأذكر أيضا إبحاره في دنيا الفلسفة، فعرف ديكارت وهيجل وماركس وسارتر ونيتشه وكيريجارد، أما ماركيز فكان يكن له مودة خاصة، حيث قرأ أعماله التي ترجمت إلى العربية والإنجليزية، وقد قال لي أكثر من مرة أنه يرغب في تعلم اللغة الأسبانية ليكتشف المزيد من عبقرية ماركيز. لم يكتف صلاح بالأدباء والفلاسفة، أو الاستمتاع بالسينما والمسرح والموسيقى والغناء، وإنما كان له مع كرة القدم نصيب، فقد تابع بصبر تاريخها وتطورها في كوكبنا، ودور مصر في المنظومة الكروية العالمية، لدرجة أنه وضع مخطوطة عن الخطيب والنادي الأهلي وهو مازال طالبًا في الكلية. وأذكر جيدًا أن هذه المخطوطة تكشف عن حصافة في الرؤية ومهارة في التحليل الرياضي وربطه بظروف المجتمع. لا ريب أن المهندس صلاح تأثر بالمناخ الفكري والثقافي الذي ساد في البيت الذي نشأ فيه، ولا شك أنه بحكم كونه أصغر الأبناء، قد انتبه إلى خبرات أشقائه الكبار وتأملها وتجاوز ما بها من خلل، لذا كان يعانق الصمت كثيرًا، وكان مقتصدًا في التعبير عن آرائه وأفكاره، فلا يعرف الثرثرة أو الإطناب وإنما يعلن عن رأيه بأقل الكلمات وأكثرها دقة وصوابًا. أرجو ألا تظن أن همومه الفكرية والثقافية وطبيعة عمله بوصفه مهندس كهرباء قلصت من حيويته أو وصمته بالجهامة، لا وألف لا، فقد كان صلاح رجلا بالغ الظروف واللطافة، يعرف كيف يصطاد النكتة ويصنعها من أقل موقف، دون أن يؤذي أو يجرح، فهو النبيل الذي يعمل ألف حساب لردود أفعال الناس، فيعطف على غير القادر ويحنو على البسطاء، لذا أهدته المقادير زوجة فاضلة أنجب منها بسنت الجميلة وأشرف وشهاب ومحمد، وكلهم في مراحل التعليم المختلفة. قرأ صلاح كل ما كتبته ونشرته، من روايات ومقالات ودراسات وأبحاث وحوارات صحفية، وقدم لي نصائح ثمينة في تعليقه على هذه الكتابات، لكن ما يؤلمني حقا ويحرق قلبي أنه لن يقرأ أبدًا هذا المقال الذي كتبته تكريمًا له واعترافا بدوره المحوري والمؤثر في حياتي، ذلك أنه رحل فجأة عصر السبت الماضي 28 يناير، فترك في قلبي جرحًا لن يندمل.

نسيت أن أخبرك أن صلاح هو شقيقي الأصغر. مع السلامة يا صلاح.