انقضى زمنٌ كان فيه الرجل يحمل في جيبه منديلاً قماشياً (محرمة) نظيفاً. كان المنديل هو الاكسسوار الموحد للرجال على اختلاف أعمارهم، ويأتي بألوان عدة، إما بلون واحد (سادة) أو بنقوش وخطوط متباينة.
كل رجل كان لديه مجموعة مناديل (محارم) يوزعها على أيام الأسبوع لتتلاءم مع ملابسه. لكن ماذا كانت وظيفة المنديل؟ كان الرجل يمسح به عرق جبينه، يجفف يديه بعد غسلهما أو بعد الوضوء، يفرشه على الأرض ليجلس فوقه في الأماكن التي لا يتوفر فيها مقاعد، يضعه متكأً لجبهته عند سجوده في الصلاة، يعقده على رأسه اتقاء لحرارة الشمس، أو يضعه في جيبه هكذا من دون الحاجة إلى استخدامه.
كانت المناديل من بين الهدايا التي تقدمها الحبيبات لأحبائهن، بعد أن يقمن بتطريز قلبين أو حرفين على طرف المنديل. كذلك كان للنساء مناديل ملونة ذات حواف مطرزة ومزخرفة وبألوان زاهية، وكانت هذه المناديل أيضاً من الهدايا التي يتلقينها من أحبائهن مع رشة عطر أو زهرات ياسمين.
الأولاد أيضاً كان عليهم وضع المناديل في جيوبهم. وكان يجري تفقدها في المدرسة، مع تفتيش الطابور الصباحي على الأظافر والشعر. وكم عوقب أولاد وأرسلوا إلى بيوتهم لإحضار منديل كي يسمح لهم بدخول حجرة الصف المدرسي.
في فيلم "المتدرب The Intern" يتساءل الشاب العشريني في حضرة الموظف المتدرب (روبرتو دي نيرو) بعد أن رأى في دولاب ملابسه مجموعة مناديل مرتّبة ومطويّة بعناية: ما فائدة هذه المناديل؟ فيجيبه الموظف المتدرب، الذي اجتاز عتبة السبعين، قائلاً: "فلتعلم يا بني أنها ضرورية للغاية، وإن كان جيلك لا يعرف فائدتها فهذه كارثة. إن أفضل غرض لاقتناء المنديل في جيبك هو إعارته. النساء يبكين في مختلف المناسبات، ومن دون مقدمات غالباً، لذا نحمل المناديل لأجلهن، وهذا أدنى دلائل الشهامة عند الرجل"!
اختفت المحارم القماشية، وحل مكانها المناديل الورقية. لكنني لا أزال أحتفظ بأحد مناديل أبي (رحمه الله)، الذي حلت ذكرى وفاته السنوية الثلاثين مع نهاية عام 2019، فقد عجّل الرحيل، وغادر دنيانا وهو في الثامنة والخمسين.