تواجه المجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة تحديات غير مسبوقة على كل المستويات، وزادتها تعقيداً الصراعات الطائفية والمذهبية، ودرجة العنف والتفجيرات الانتحارية وتكرارها وانتشارها على أيدي متطرفين محسوبين على الإسلام، وظهور حركات الإسلام السياسي والجماعات العابرة للقارات، الأمر الذي دفع بالأمة إلى الشّقاق والخصام، وإلى ظهور الفكر المتطرّف والفتاوى الشاذة والمتعصبة والتكفيرية التي تبيح سفك الدماء وانتهاك استقرار البلاد وأمنها. ومشكلة التطرّف، وخاصة في الصراعات الممتدة، لا تتمثّل فقط في عنف النشاطات التي تقوم بها الجماعات المتطرّفة، ولكن في الاتجاهات الأيديولوجية المتطرّفة التي تتّصف بالجمود والثبات وعدم التسامح مع الآخرين، وقد وجدت لها في بعض المجتمعات المسلمة حاضنة وبيئةً مغذية لممارسة تطرّفها، مستغلة الظروف الصعبة التي تعيشها تلك المجتمعات، من انقسامات داخلية وفقر وبطالة وأمية وسوء خدمات.

واليوم يمكن تصنيف الأيديولوجيا الإسلاموية المتطرّفة باعتبارها الخطر الأحدث، لأنها تحوّل أيديولوجيا العنف باسم الدين إلى ظاهرة تسعى لتهديد المجتمعات ورفض التعدُّد والتنوُّع وإفشال التواصل الحضاري بين ثقافات العالم وتهديد السلم العالمي ونخر المجتمعات وفقدان الشعور بالأمان. ولعلّ هذا التطرّف الأيديولوجي لا يتعلّق فقط باتجاهات فكرية منحرفة أو رؤى متخلّفة، ولكنه تحوّلَ إلى مجال الممارسة على مستوى الأفراد والجماعات وبعض الدول في شكل إرهاب صريح يصوّب سهامه إلى المدنيين. إنّ عودة ظهور أيديولوجيات متطرفة أكثر من أي وقت مضى يوفّر أرضاً خصبة لحالات طوارئ معقّدة، قد لا تنطبق عليها صفة الحرب التقليدية، لكنها تتطلّب ردود فعل دبلوماسية واقتصادية وعسكرية. وقد ترسّخت إساءة بعض المتطرفين في استغلال الدين عبر أعمال إرهابية في الثقافة الغربية، حتى برزت في الإعلام الغربي مصطلحات مثل «الإرهابيين الإسلاميين» و«الإسلام السياسي» الذي تحوّل إلى قوة سياسية معارضة في البعض البلدان، وبذلك أصبحت صورة «الإسلامي» في الإعلام الغربي مرادفة للتطرّف والإرهاب، مما انعكس سلباً على صورة الإسلام أمام الرأي العام العالمي. وما نراه من تبعية للجماعات المتطرفة ناجم عن الغموض في الرؤية، وغياب الوعي الديني السليم، والفهم الخاطئ لنصوصه، وأزمة ثقافة تعيشها المجتمعات المسلمة، والانغلاق الفكري، مما يحتِّم على صناع القرار والمفكرين والمثقفين وعلماء الدين أخذ المبادرة في التصدّي لهذا الوضع، لتدارك الزحف المتطرّف، وصدّ الإرهاب ومنعه من الولوج إلى فكر الأمة وجسدها. ومن هنا كانت مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة في تأسيس منتدى «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» في أبوظبي، برئاسة فضيلة الشيخ العلامة «عبد الله بن بيه» بصفته أحد أكبر أقطاب الوسطية والاعتدال والاستيعاب العميق لأصول الشرعية والمعرفة الواعية بالواقع المعاصر، وقد استقطب منهج العلامة «بن بيه» لهذا المنتدى الدولي كثيراً من المفكرين والعلماء المسلمين لمواجهة الأفكار والقضايا التي أنتجت الاضطراب والعنف في العالم الإسلامي وفي مجتمع الأقليات المسلمة، ومعالجة الفتاوى المتشدّدة، والعودة إلى قيم الحضارة الإسلامية العظيمة المتوافقة مع القيم الإنسانية، وتوفير سبل العيش المشترك، والمساهمة في السلم والسلام العالميين. ومنتدى «تعزيز السّلم في المجتمعات المسلمة» دعوة للتعايش بين مختلف الشعوب، وللتخلّص من الصورة النمطية المشوّهة للإسلام والمسلمين، إنّه مشروع ريادي يسير بخُطا جادة لترسيخ مبادئ حفظ السلام وتعزيز ثقافة السلم واللاعنف والحوار والأمن والأمان والانفتاح على الآخر، وتوفير حقوق الإنسان ومنع النزاعات والصراعات المذهبية، والتركيز على الإسلام المعتدل ونشر ثقافته، وتعزيز الجهود الرامية لمكافحة الأيديولوجيات المتطرّفة التي تخالف قيم الإسلام ومبادئه السمحة، والتصدي لمخاطر الحروب الطائفية في المجتمعات العربية والإسلامية.

صحيفة الاتحاد