«مررت بدائرة حكومية بشكل مفاجئ، فتعجبت من كثرة المديرين خلف الأبواب المغلقة، فأمرت بنجار في اليوم نفسه لخلعها جميعها»، قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، قبل أشهر عدة، وقد حذر كثيراً، ووجه أوامره السامية لإزالة العوائق بين المديرين والمراجعين.

لا يمكن لأحد رفض أوامر سموه، فصحيح أنه يتسم بالتواضع والبساطة المعهودة في تصرفاته ولقاءاته، إلا أن سموه حازم في التصدي والوقوف على الخطأ، ومحاسبة المتسبب مهما كانت مكانته ومنصبه الإداري أو التشريفي، غير أننا، ومن حينها، بتنا نواجه أبواباً أكثر تعقيداً من تلك الخشبية، وحواجز أكثر صلابة من تلك الزجاجية، فبعض المسؤولين ابتكروا حلاً بإيجادهم وابتكارهم للحواجز البشرية (السكرتارية الحديدية)، فهي تتلون وتتبدل تبعاً للمواقف والمكان والزمان، لتقف في طريقك حاجزاً لا يمكنك عبوره للوصول إلى المسؤولين، مهما حاولت.

لبعض المديرين والمسؤولين طرق مبتكرة لخلق الحواجز بينهم وبين المراجعين، فمنهم من يتعمد عدم وضع كراسي للانتظار على أبواب مكاتبهم، فعندما تتصدى السكرتارية لأولى محاولات الوصول، ستجد نفسك رهينة وقفة طويلة للانتظار، وحينها ستجبر طوعاً للخروج من المكان، لعدم مقدرتك على الوقوف، إما لأن مكانتك لا تسمح بهذه الوقفة، وهناك البعض من سيحس بالإهانة لوقوفه أمام مكتب المسؤول، في حين أن هناك حالات يصعب عليها الوقوف لفترات طويلة، أو حتى قصيرة، لانتظار المدير الذي استطاع الخروج من مكتبه قبل أن تلقاه وأنت تفتش عن مكان لتجلس فيه، وعلى مقربة من مكتبه، أو لأن الساعي المحترم «فرّاش المدير»، يأمر عليك، أو على غيرك، بالخروج والانتظار خارجاً لكي لا تتسبب بازدحام المكان.

البعض منهم راح في اتجاه آخر، ليتصدى لمحاولات الالتقاء بالمراجعين، بأن أوجد حججاً واهية لسبب تغيبه، ترويها أيضاً السكرتارية، بأن المدير في اجتماع مع فريق العمل، أو أنه يقوم الآن بجولة تفقدية على الأقسام، وذلك لحرصه على متابعة مجريات العمل بنفسه، مع العلم بأن المُراجع هو من تفقد مجريات العمل، بسبب بحثه عن الحل لمشكلته، وهو ينتقل من قسم لآخر، ولم يصادف أن شاهد المدير في طريقه، وفي هذا الصدد، قد طالبنا مراراً وتكراراً، ونظير ما يتمتع به المديرون من مزايا وعطايا، وجوب أن تعقدوا اجتماعاتكم مع فرق عملكم في غير وقت العمل الرسمي، والمخصص لمساعدة وإنجاز معاملات الناس.

الجدار الحديدي الذي تشكله السكرتارية أو الحاشية، هو السد المنيع الذي يتصدى لأي محاولات للوصول إلى المسؤول، ويا ليت وقفت المشكلة عند هذا الحد، بل أصبحت مهمة الحاشية أن يتصدوا للمراجعين، وهذه هي متطلبات عملهم التي سيحاسبون عليها، حتى وإن تغير المسؤول وتبدل، أو تبدلت قناعاته أو أُجبر امتثالاً بأوامر القيادة، إلا أن هؤلاء لا يزالون يمارسون أدوارهم، بل أصبحوا يخبئون الحقيقية ويجملونها، بدلاً من إيصال هموم الناس لمسؤوليهم.

إغلاق الأبواب ليست المشكلة الوحيدة التي تقف في طريق إتمام العمل واستكمال الإجراءات في بعض الدوائر التي تزورها، إنما هناك ما هو أخطر من ذلك، فقد يتعمد البعض تأجيل حسم الأمر واتخاذ القرار في ما يخص طلبك، ويجعل منك منتظراً قلقاً «تشيل هم أو تحمل هم»، كما نقولها بالعامية لحال معاملتك، فلا طلبك رُفض، لتجد بديلاً لتحل المشكلة، ولا تمت الموافقة عليه لتنتهي مشكلتك.

في إحدى المرات التي كنت فيها مراجعاً لإحدى الدوائر الحكومية، سمعت أحدهم يقول منزعجاً، بعد أن تعثر في الوصول إلى المدير: «عندما كان المدير من غير المواطنين كان الحال أفضل»، وهنا أتساءل، هل هذا جزاء الدولة التي مكنت مواطنيها وجعلتهم في أعلى المناصب؟، أليست قيادتنا وثقت بأبنائها، وعليهم أن يكونوا على قدر من المسؤولية تجاه هذه الثقة، وحينها، سألت هذا المراجع، لماذا قلت ذلك؟، فقال، لقد كان الموظف الوافد يحل المشكلة إيجاباً بالقبول أو الرفض، ولا يتخذ دور السلبية بتعليق الأوامر التي تمنعك من الولوج إلى باب آخر سوى البث المباشر.

في مقابلة تلفزيونية للشيخ محمد بن راشد، قال «أنا لا يعجبني الإنسان الذي يوافقك على كل شيء، فمن يأتيك مجاملاً، فهو لا يحترمك، أما من يأتي إليك لينصحك ويحكي لك خطأك، فهو يحبك، والإنسان خطاء»، ووصف سموه حينها، أنه، وبنفسه، يناقش ويتقبل الآراء من فريق عمله، وهذا ما عهدناه في ظل سموه من انفتاح العلاقة وشفافيتها بين المواطن والقيادة، وإن كان بعض المسؤولين والمديرين يبتكرون معوقات تحول بينهم وبين هموم المواطن ومشكلاته، فرؤية سموه أن نرتقي بالخدمات الحكومية لإسعاد المواطنين، ولهذا، لن أجامل في ما أرى وأسمع، بل سأقول الحقيقة وما تمليه عليّ نفسي وحبي لوطني.

والحقيقة أيضاً، أنك عندما تزور أي مكتب لمسؤول، ستجد أنه يضع على مكتبه نسخة مصغرة من القرآن الكريم، وعلى جدران مكتبه صور لشيوخنا، حفظهم الله، بخلاف سارية علم الإمارات، فلماذا يضعونها؟، هل لنقول عنهم إنهم ملتزمون تجاه ربهم، أم لنقول إنهم يحبون وطنهم وشيوخهم، وهنا تكمن رسالتي، إن أردتهم أن نقول عنهم «الله يكثر من أمثالكم»، لما في قلوبكم من تقى الله، وما في عقولكم من توجهات وتوجيهات ورؤى شيوخنا، فلتقتربوا من الناس أكثر فأكثر، لتلامسوا همومهم ومشكلاتهم، وتحاولوا مساعدتهم بما لا يتعارض مع قوانين الدولة وأنظمة إداراتكم.

نحن اليوم نشهد ثورة حقيقية في ما يخص الخدمات الحكومية، فبتنا لا نميز بين فنادق الخمس نجوم والدوائر الحكومية، فمستوى الخدمات ووسائل الراحة بداخلها، تشعرك بأنك في منتجع خمس نجوم، مع فارق الطبيعة العملية للدوائر والمؤسسات، لكن ما ينقصها، أن تفتح الستائر، ولن أسميها جدراناً في آخر مقالي، لأنني أؤمن بأن مسؤولينا، وإن أغلقوا أبوابهم بجدران حديدية، إلا أن نوافذهم مفتوحة لكل صاحب رأي، يقصد بذلك مصلحة الوطن والمواطن، وأيضاً مصلحة المؤسسات الحكومية ومسؤوليها.

المصدر البيان