لطالما حيّرتني عاميّتُنا، فهي تحتوي على كم هائل من الألفاظ والأوصاف التي تقفز إلى الذهن، وربما إلى اللسان مباشرة لتخرج من بين الشفتين من دون تفكير، لوصف مناسبة معينة أو للتعليق على موقف محدد. ومصدر الحيرة أن هذه العبارات قد تستخدم في أغراض متناقضة أو متعارضة تماماً!
وإذا ما سألت الذي يتلفظ بعبارة ما عن معناها بعد أن يطلقها، فإنه قد يمطّ شفتيه، أو يهز رأسه يمنةً ويسرةً، في إيماءة هندية تُنبئك بأنه لا يدري، وأنها تقال هكذا!
من أشهر الأوصاف التي حيّرت الكثيرين، والمستخدمة على نطاق واسع في فلسطين والأردن، وربما في دول عربية أخرى، "حريق الحِرْسي". وقد بحثت عن معناها في العديد من المصادر، وسألت الكثيرين من مختلف الأعمار عنها، لكنني لم أحظ بإجابة شافية حتى الآن. ذلك أن جميع التفسيرات لم تقنعني لكونها مجرد اجتهادات شخصية غير قائمة على مصدر ثقافي أو لغوي موثوق.
فهلّا يتفضّلن أحدٌ ببيان معنى هذا الوصف الشهير، علماً بأنه قد يستخدم إما للتحبّب أو المذمّة. وقد تستبدل الكلمة الثانية لتصبح العبارة "حريق الوالدين"، وهنا قد تشتد وطأة الوصف ليصنف في خانة الشتائم واللعنات. لكن السياق قد يأخذنا أيضاً إلى الإشادة والإعجاب بمهارة وذكاء الموصوف وسعة حيلته!
هناك أيضاً عبارة "يا كشلي" أو "يا كشيلي"، ومنها أيضاً يا "كشيله"، و"يا كشيلها" و"يا كشيلك" و"يا كشلان". وعلى الرغم من أن المعنى واضحٌ بيّن، ويدل على الويل والخيبة والفشل، إلا أن العبارة قد تستخدم أيضاً لمختلف الأغراض، مثل المداعبة أو التعاطف والمواساة، وكذلك للسخرية، أو ربما للعتاب الرقيق أحياناً!
أما كلمة العكروت، فإنني لم أجد لها أي معنى في المعاجم اللغوية، وذلك على الرغم من أنها تستخدم كثيراً في معظم الدول العربية. ففي مصر مثلاً، قد تعني الفهلوي أو الشاطر. أما في بلاد الشام، فلا يجرؤنّ أحدٌ على وصف شخص مقابله بكلمة عكروت، لأن اشتباكاً عنيفاً سيندلع بعد ذلك، وقد يحدث ما لا تُحمد عقباه. فوراء هذا الوصف ما وراءه من تشكيك بالذمة والشرف والأمانة. وتكمن المفارقة في أن هناك عائلات تحمل هذا الاسم!
ووصف "عرص" أو "ابن عرص" يشبه العكروت أيضاً. فقد تصف شخصاً بـ"العرص" أو "ابن العرص" لشطارته أو مهارته في فعل شيء ما، وقد تكون كلمة لمداعبة صغير من جدّه مثلاً قائلاً له وهو يدلعه: "تعال يا عرص- أو يا ابن العرص- بوس جدّك"! كما أنها تعد وصفاً مقذعا أيضاً، حيث تعني الشتيمة والتحقير والإهانة أبضاً.
هناك أيضاً كلمات مثل "حزلوط"، ومؤنثها "حزلوطة" ليس لها جذر أو أصل في اللغة، لكنها تستخدم لوصف الشخص المسكين أو المغلوب على أمره أو المظلوم المهضوم حقه. وأظن أنها من الكلمات المنقرضة، فلم أسمع أحداً يتلفظ بها منذ دهر.
أما كلمة القاروط، وهي اسمٌ لعائلة أيضاً، فقد حيّرتني تماماً. فعلى الرغم من أن الجذر الثلاثي للكلمة هو "قَرَطَ"، وأن "القُرْطَ" هو الحلق الذي تعلقه النساء في شحمات آذانهن (أصبح اليوم للرجال أيضاً!)، إلا أن وصف القاروط يطلق على اليتيم الذي يعيش في كنف زوج أمه، أو في رعاية زوجة أبيه، والمؤنث منه "قاروطة"، والجمع "قواريط".
ويحضرني في هذا السياق واقعةٌ في أحد أيام الأعياد ونحن صغار. فقد ركبنا باص الهلال من نابلس، وكان يتم تكديسه بالركاب، في حين يقف الكنترول (قاطع التذاكر) يصرخ في المنتظرين على الرصيف أمام باب البريد القديم قائلاً: "إطلعوا يابا.. الباص فاضي". حُشرنا في الباص مثل سمك السردين في العلبة، وعندما وصل الباص إلى مدخل المخيم، صاح الكنترول منبهاً بأعلى صوته: "أواريط بلاطة يطيحوا" يعني أولاد مخيم بلاطة ينزلوا. فطحنا، أي نزلنا من الباص على اعتبار أننا المقصودون بالأواريط (القواريط)!
هناك أيضاً كلمات من قبيل مسخّم ومسخّمة، ومشحّر ومشحّرة، وهذه أيضاً تقال للمذمة والتحقير، أو للملاطفة والمداعبة، أو للتورية في إشارة إلى شخص ما!
"البندوق" طائر هجين من تزاوج كناري مع حسّون. والكلمة أصلها تركي، لكنها مستخدمةٌ عربياً على نطاق واسع، وخصوصاً في بلاد الشام. وعلى الرغم من دلالاتها المهينة الواضحة، حيث تُلقى للإهانة ووصف الشخص بأنه "ابن حرام"، إلا انها تُطلق أيضاً على الشخص الماهر الماكر الشاطر المتذاكي، الذي يجيد اللعب على الحبال.
وأخيراً وليس آخراً، فإن وصف "أبو الشّكَفْ" الذي يستخدم للمداعبة والتحبب، خصوصاً للصغار، لم أعثر له على أي أثر على الإطلاق. وحتى مع استبدال الكاف قافاً، وتحول الوصف إلى "أبو الشّقَفْ"، فإن المعنى اللغوي سوف يبقى ملتبساً، ولا مفر من اعتماد الغرض الشائع والمتداول.
"اللغة نسق من الإشارات والرموز، وهي وعاء الفكر وإحدى أدوات المعرفة، ومن أهم وسائل التفاهم والتواصل بين أفراد المجتمع، ومن دونها لا تستوي الحياة في كافة الميادين ويتعذر النشاط المعرفي للبشر. وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطاً وثيقاً، فالأفكار والتعابير تُصب دوماً في قوالب لغوية، للتعبير عمّا يدور في ذهن الإنسان، إما كتابة أو نطقاً" (اقتباس بتصرّف). عند الكتابة يكون المجال مفتوحاً أمامنا للتصحيح والتنقيح والتجويد، وربما للتراجع، لكن الكلمة عندما تنزلق من اللسان وتخرج من بين الشفتين، فلا راد لمفعولها وتأثيرها على الإطلاق، وتبقى مطبوعة في الذاكرة مع الموقف والسياق الذي تُقال فيه.
بحثت في أصول عشرات الكلمات العامية، ووجدت في معجم "لسان العرب" مصادر أو إشارات لغالبيتها. أما الكلمات الغريبة المتداولة التي لا أصل لها حتى في المعاجم، فأظنها دخلت العربية من الجوار. كما أن استخدام الكلمات والأوصاف قد يختلف من منطقة إلى أخرى. فالمقبول والمفهوم في بلاد الشام مثلاً، قد يفسر بنقيضه في المغرب العربي. ولن نقول إطلاقاً "شو لمّ الشامي على المغربي"، لأن "لسان الضاد يجمعنا".