عادة تقوم الأحزاب السياسية في مناخ من الاستقرار بجولات تفاوضية لوضع أسس الدستور الذي يعرض على الشعب ، لكن روسيا اختارت أن تلقي إلينا دستورنا بعد أن اختزلت الشعب السوري بمجموعة من سواح السياسة بما تحتويه السياحه من استهتار وسخافة ودعارة، لتدبج لنا دستورا لحياتنا توزعه سرا على عملائها آملة بفرضه بمفعول غطرسة القوة … وبينما تهتم روسيا في تدبيج وكتابة الورق الذي لا يضر ولا ينفع ( حيث لم يكن الدستور السوري ولا القانون مطبقا في يوم من الأيام ) تقوم ايران بكتابة دستورها على الأرض برسم خريطة ديموغرافية واقتصادية وعسكرية ثابتة يصعب تجاهلها … بينما الشعب السوري موزع بين شهيد ومشوه ومحاصر ومشرد ومغلوب على أمره لا حول ولا قوة ، يتم التلاعب بوطنه ومصيره علنا وبشكل وقح ، وعينه تنظر وقلبه يقطر ألما … بحيث يندر أن ينام سوري على وسادته إلا وقد بللتها الدموع . الدستور الروسي لسوريا أغفل بابا ملزما في كل دستور وهو هوية الدولة … فهو قد قطع رأس هذه الدولة ومسح هويتها وحولها لمجرد بلدية خدمية لا مركزية … ومع ذلك أدخل لهذه البلدية محاصصة طائفية وعرقية لتعطيلها بحيث أن التوظيف يحتاج لموافقة المرجعيات الطائفية والتعيين لا يتم على أساس الكفاءه بل الولاء … وذلك بدلا من اعتماد نظام المجلسين والغرفتين لتمثيل التنوع العرقي والديني بمجلس الشيوخ المرتبط بهوية الدولة ، وتمثيل المواطنين بمجلس نواب يهتم بالدولة الخدمية والقانونية التي تساوي بينهم . فتمثيل الانقسامات العامودية الأهلية يختلف عن تمثيل الانقسامات المدنية الطبقية الأفقية الحزبية … بحيث لا يتسبب الانتماء الأهلي في التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات . ولا يلغى هذا الانتماء ولا يسحق حق المواطن بالهوية والتمايز والاعتقاد .. وقد أغفل أيضا باب الحقوق والنظام القانوني والعدالة وتجاهله كليا … مع أن الدستور هو نظام للدولة التي لها وظيفة أساسية هي السيادة القانونية على الشعب الذي يقطن أرضا محددة . فهذا أيضا غير ملحوظ في الدستور الجديد ، حيث لم يتطرق للنظام القانوني ، ولا لحقوق الإنسان ، ولا حقوق الأقليات ، طبعا بهدف التنكر لحقوق الأغلبية ( التي تشمل حقها في اسم الدولة ورئيسها ودينها الرسمي ، ولغتها ، وعاصمتها ، وسياستها الخارجية ، والدفاعية ) فعملية تقليص بل إبادة الأغلبية العربية السنية ماديا ( حيث قتل وهجر أكثر من 55% منها، ودمرت ونهبت معظم ممتلكاتها ) انتهت على يد روسيا ذاتها بتصفيتهم سياسيا ودستوريا وتحويلهم لأقلية سياسية . العدالة المطروحة بالدستور الروسي هي مساواة 9% مع 80% على أرضية الغاء روح وهوية الدولة ومركزيتها ، وعبر استقالتها من مجمل مهامها القومية التي تعبر عن روح الأمة ( كما نظر هيجل ) ومن واجباتها الأمنية والحقوقية والقضائية ، والاحتفاظ فقط بطابعها القمعي الذي لا يترافق حتى بضمانات لتقديم العلف للمواطنين الرعايا الذين أصبحوا بلا هوية ولا دين ولا حقوق ولا حريات ، مجرد عبيد تبع لنظام الحكم المتمركز حول شخص مفروض ومعين مسبقا بقرار من المندوب السامي القابع في قواعد الاحتلال العسكري … أين نظام العدالة والمحاسبة والمراقبة ، أين قانون الإعلام والحريات ، وأين قانون الأحزاب والجمعيات التي تعطي أي عملية اقتراع معناها وجدواها … ما هي طريقة التنافس المشروع على الثروة والسلطة في هذا البلد ، أين هي الرقابة القيمية والأخلاقية على الاقتصاد وقانون السوق والكسب ، ما هي شرعية الثروات القائمة حاليا ، ما مصير مليون جريمة قتل وتعذيب وسطو وتعفيش … ما مصير من نهبت أملاكه وقتل أولاده ، هل تتوقع روسيا أن يقفز مجتمعنا عن كل هذا بسهولة ويسر … وكأن الميت (كلب وليس شعب) والمدمر (لعبة وليس وطن ومنزل وحقل زرعه الأجداد ) .. وماذا عن الميليشيات والاحتلال ، وماذا عن صفقات وعقود الإذعان التي وقعها الجزار … هل تتوقع روسيا استقرار سلم اجتماعي من دون عدالة … وهل تتوقع أن تحترم سلطة ودستور بمجرد كتابته … هل تستطيع ديمقراطية أن تستقر من دون ارادة جمعية تدافع عنها … بتجاهل كل ذلك يصبح هذا الدستور تعبيرا صريحا عن شرعية الهمجية وأكبر سند وداعم للتطرف والعنف والإرهاب والانتقام الوحشي … الدب الروسي بطبيعته ومنطقه ، وبقانون الحجوم والقوة الذي يحكمه : يستهتر بسوريا وشعبها ومعاناتها ويستخف بجراحها وعذاباتها ومذابحها ، ويعتبرها مجرد حشرة أو أرنب صغير في غابته … لكنه لا يقرأ التاريخ ليعلم أن حشرة صغيرة دخلت في أنف النمرود وقتلته … سوريا لمن يكثر من شرب الفودكا وصناعة الدمار هي جزء لا يتجزأ من أمة وثقافة تسود ربع العالم ، بل هي قلبه وضميره … فكيف تلغون هويتها . و الشعب السوري هو سيد الحضارات عبر التاريخ وهو من كتب الشرائع والدساتير للعالم كله منذ حمورابي ، وموسى وعيسى ومحمد … وهو لا يعاني من نقص الخبرة والكفاءة في تدبيج النصوص ، لكنه يعاني من عدوان همجي ووصاية وقحة وغزو استيطاني يرتكب كل أنواع الجرائم ضد الانسانية ويستكملها بانكار تام لجريمته ، واليوم قد أصبحت أرضه ساحة للجيوش الأجنبية التي نقول لها إرحلوا عنا واهتموا بشؤونكم ، ودعوا كتابة الدساتير لأهلها … فقط عندما تحترموا شرعتكم وقانونكم الدولي ، وعندما تطبقوا معاهدات جنيف الأربعة ، وتطلقوا سراح المحكمة الجنائية الدولية … يمكن لنا الحديث معكم إذا لم توقفكم هذه المحكمة بسبب جرائم الحرب التي ترتكبونها بحق شعب سوريا . نقول لروسيا احترموا دستوركم وحقوق مواطنيكم قبل كتابة دستور لغيركم. لأنه لاقيمة له … عبثا تحاولون … فالدستور السوري قد كتب بدماء مليون شهيد ، وتضحيات عشرين مليون آخرين لن يتوقفوا قبل نيل حقوقهم كاملة وعلى رأسها الحرية والسيادة والكرامة والعدالة … أي وقاحة وأي عار أن تكتب عصابات المافيا دساتيرا للشعوب …