استيقظت هذا الصباح بتوقيت واشنطن وتصفّحت الأخبار على صفحة العربية.نت ووجدت أن أكثر من 77 ألف قارئ تصفّحوا خبراً بعنوان "ما هي الدول العربية التي سيعلّق ترمب التأشيرات لمواطنيها؟" للحقيقة، فرحت كثيراً لأنني كاتب الخبر، وأكثر ما يرضي مراسلاً هو معرفة أن عدداً كبيراً من القراء اطّلع على خبر كتبه! بعد قليل، بدأت أشعر بالمرارة، أولاً لأن الخبر استغرق منّي عملاً ضئيلاً، حيث وجدت رسالة من غرفة تحرير العربية.نت مساء الأربعاء تطلب كتابة خبر من واشنطن حول الموضوع، ولم تستغرقني الكتابة أكثر من نصف ساعة، أرسلت الموضوع وأسرعت إلى بيتي، فابنتي الصغيرة بلغت الثانية عشرة من العمر، ولا أريد أن أفوّت فرصة الاحتفال الصغير في البيت. وصباح الخميس وجدت أن الموضوع "البسيط ومعلوماته متوفّرة" حاز على هذا القدر من القراء. أكثر من 77 ألف قارئ عربي، ما الذي يدفعهم لمعرفة "لماذا لن يعطي دونالد ترمب تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة؟" عادت بي الذاكرة إلى بيروت في العام 1991 عندما تلقيت اتصالاً من صديق يقول لي إن هناك تلفزيوناً سيفتح في لندن، وبدون تردّد وجدت نفسي بعد أقل من أسبوع أعمل لتلفزيون إم بي سي، في لندن، في مدينة لم أتحدث لغتها من قبل، وفي مؤسسة كان كل وجه فيها جديداً، وكل لهجة فيها تحدياً في الحقيقة، تركت ورائي 9 سنوات من العمل التلفزيوني وأهلاً وأصدقاء، وبدأت كل شيء من جديد. اكتشفت أنني أعمل بكرامتي في مؤسسة تحترمني! واكتشفت أنني إنسان من ملايين، لكن السيارات تقف عند الإشارة الحمراء، فأعبر الشارع من دون أن تدهسني سيارة! اكتشفت أنني أستطيع الذهاب إلى المصرف وأستدين آلاف الجنيهات لشراء بيت، والأقساط على 25 سنة، ولست بحاجة إلى وساطة إقطاعي أو ضابط أمن! اكتشفت أنني أعبر من ناحية في المدينة إلى أخرى، ومن جهة في إنجلترا إلى أخرى، وأذهب من إنجلترا إلى دول أوروبا دون أن يوقفني حاجز من "حواجز الردع السوري" وبدون شريط حدودي رسمه "الاحتلال الإسرائيلي" بعد ذلك، سافرت إلى الولايات المتحدة، وكررت التجربة ذاتها! بدأ كل هذا قبل 25 عاماً، والآن بعد كل تلك الأيام أجد أن 77 ألف قارئ عربي يقرأون خبراً عن تأشيرات للذهاب إلى أميركا! لديّ استنتاج واحد وهو أن هناك 77 ألف عربي مثلي يعانون من هدر كرامتهم، لا يجدون مؤسسة تحترمهم وهم يعملون فيها، يخافون أن تدهسهم سيارة عند الإشارة الحمراء ولا يستطيعون نيل تسليف مصرفي لشراء بيت، ولا يستطيعون التحرك في بلدانهم من دون أن يهانوا على حواجز أمنية ويقهرهم الاحتلال. لذلك، أيتها السيدة منى الهراوي، أنا لم أعد، وغيري 77 ألفاً يسألون لماذا لن يعطي ترمب تأشيرات لمواطني دول عربية! هل تذكرين في التسعينات عندما زرت لندن وأقامت السفارة اللبنانية استقبالاً على شرف السيدة زوجة رئيس الجمهورية؟ دخلتُ قاعة الاستقبال مثل عشرات جاؤوا يسلّمون عليك، وانبهرت في تلك اللحظة من حضورك الجميل والأنيق، وبعد لحظات سمعتك تقولين: "بدنا اياكم ترجعوا؟" العودة هي كل ما نريده يا سيدتي في العام 1995 وفي العام 2005 وفي العام 2017، لكن الحقيقة هي أيضاً أن 77 ألف عربي قرأوا خبراً عن السفر إلى أميركا، ولا شيء تغيّر منذ العام 1991! أي شاب يستطيع العمل بكرامته، وأي شاب يستطيع أن يشتري شقة ويتنقّل في أرجاء وطنه بكرامة؟ نعم سيدتي، حتى عبور الشارع مخاطرة في بلادنا، وهنا، بعيداً عن أهلنا وأحبائنا وقبور موتانا نشعر أننا بأمان! وفي هذه اللحظات وأنا أكتب هذه الرسالة صار عدد قراء الخبر 87 ألف قارئ.