نُحِتَت ذاكرة الطفولة بصوتٍ رخيم كان يأتينا كل ليلة ونحن متسمّرون أمام شاشة التلفاز لبرنامج ثري المعلومة على قِصَره اسمه (حدث في مثل هذا اليوم) تمسّ فيه نبرة المذيع أحمد سالم رحمه الله القلوب وتفتح الأبواب لأكبر الأحلام طموحاً وأبعد الطموحات جموحاً وهو يقول: «إن أجمل الأيام يومٌ لم نَعِشْهُ بعد، وأجمل البحار بحرٌ لم ترتده أشرعتنا بعد»!

كانت أيام زايد الخير رحمه الله تعالى، تلك السنوات التي أشبهت الأعياد لفرط جمالها، كنّا نرى انبثاق الأحلام الكبيرة كل يوم، ونشهد قطف ثمار الخير والنعمة والتمدّن على الدوام، يصل بتعبه وجهده نهاره بليله وهو متهلّل الوجه بسّام المحيّا من أجل أن يختصر السنوات الطويلة التي تفصلنا عن روّاد الحضارة، لم يكن يبحث عن شهرة ولا يفتّش عن إطراء ولا ينتظر مديحاً من هذا أو شُكراً مِن ذاك، كان رجلاً بأُمّة، قائداً لا يجود بمثله الزمن إلا على فتراتٍ شديدة التباعد.

ورحل زايد وبقيت روحه بين أبنائه، لا تقبل المعتاد ولا ترضى بأن تكون تَبَعاً لأحد، تبحث بهم عن الخير حيثما كان، وتؤجج جذوة حماسهم لكلِ عظيمِ أمرٍ وشاهق مُرتقى، أورثنا رحمه الله مبدأ أنّ ما فعله غيرنا نستطيع فعله إنْ أحسنّا الاستعداد وامتلكنا القدرات، فالأحلام تبقى أحلاماً إنْ لم تنهض وتشمّر عن ساعديك لتحقيقها مهما حاول أن يكسر عزمك المثبّطون، فكل هدف كبير يحتاج جُهداً وحماساً وصبراً بنفس الدرجة، ومن أراد أن يلتفت له التاريخ فلا بد أن يقوم بعملٍ يجعل التاريخ يتوقف له إعجاباً بما فعل.