عند قراءة رواية العنبرية (باحة النسيان) للكاتب خالد جميل سكرية، والصادرة عن دار الفارابي في بيروت، ستلاحقك فكرة أن كاتب الرواية يكتب لأول مرة وأنت تجوب حارات العنبرية وأزقتها، تلك القرية الصغيرة المرمية على كتف تلة منسية، والقابعة تحت رحمة سيل قتل بعض شخصياتها، وبرد قارص جمّد آخرين…

ثلاث نقاط في أول السطر بدأ بها الكاتب الآتي من عالم الصيدلة والكيمياء إلى عالم الكتابة الأدبية، سرد أحداث روايته ( العنبرية ) بكل برود وسلاسة واصفاً تلك القرية كما ورد في صفحتها الأولى: "تغفو على حافة الطريق، لاتهتم بإيقاع الوقت ولا بأسماء الشهور والسنوات، غنيةٌ بتاريخها، خفية بآثارها المخبأة تحت أكوام عالية من التراب والصخور، لم تعرف سوى فاتح واحد فتحها وانتهى الأمر، أغفلها الجغرافيون وتناسى أمرها المؤرخون، ولم يرقد فيها سوى قلة من الأولياء الصالحين“.

ضمن الرواية نفسها يروى لنا الراوي عن راوٍ آخر يروي قصصه لشخصيات تعيش في العنبرية ويكرر تلك القصص كلما سنحت له الفرصة، رواية ترتكز تواريخها وأحداثها على أسماء لا يمكن لسكان العنبرية نسيانها أبداً كـ ((سنة الصقيع)) و ((سنة السيل)) و((سنة الحريق)) وأسماء أخرى ستمر بها خلال رحلتك ضمن صفحات الرواية لتعرف ما كان يقصده راوي الرواية الذي كتب عنه راوي الرواية الحقيقي!

شخصيات الرواية يظهرون لك بأسمائهم وألقابهم الغريبة (مرعي الفقوع ، هند العسكرية، وردة السمرة- رجب كزكز ، أبو الجدايل، أم الزهر )  مبعثرين هشين في البداية، ليس كشخصيات رواية لم تُحبَكْ تفاصيلها بدقة وإنما كأشخاص عاشوا في تلك القرية البسيطة على بساطتهم، المكان الذين يمنحك توصيفه الإحساس بأنه يمكن أن يكون أي قرية على طرف تلة، وحتى وإن لم يكن القارئ قد عاش يوماً في قرية منسية إلا أنه سيتمكن من تخيل كل زواريب "العنبرية" وفسحات بيوتها ووجوه سكانها وضيوفهم الذين ارتادوها، وكأنها محطة وجدت  لتكتُب عنهم قبل أن يغادروها أو يقبعوا فيها بانتظار سيل يأخذهم أو صقيع يجمد أطرافهم أو أي قدرٍ آخر…

خيوط الرواية المنسوجة بوهن بيئتها وقساوته تجعلك تلاحق نهاياتها مخدراً ببساطة الحدث وعمقه، وفي الوقت نفسه صوت مستمر في داخلك سيصرخ بين الحين والآخر - وماذا بعد؟ ـ فيأتيك البعد سريعاً ليعطيك جرعة المخدر التالية حتى تبدأ الصفحات الأخيرة بالاقتراب وتزداد فضولاً للوصول إلى نهايات الخطوط التي لم تجتمع، ولكن دفقة مخدرة أخيرة ستكون بانتظارك مع ثلاث نقاط في نهاية السطر يسبقها وصول شخصية جديدة إلى العنبرية!


هي العنبرية، رواية أولى لصيدلي يصغي بحرفية عالية لكل ما حوله، ويهتم بسماع القصة كاملة حتى نهاياتها وتفاصيلها المختلفة المركبة تبعاً لحالة المريض الذي يزوره في الصيدلية ليشتري دواءً ما ويخبره بالقصة الكاملة الحقيقة الأصلية التي لاريب فيها والتي وبلا شك تدحض كل ما سبقها من روايات وقصص كاذبة أو محرّفة.. وهكذا تولد القصص أمامه في كل مرة من جديد!