إذا لم تخني الذاكرة، فإن أول معرفتي بالسينما والأفلام تعود إلى سن الثامنة، فقد خرجت ذات ليلة صيف مع أولاد وبنات العائلة والجيران متجهين إلى الساحة الواقعة بين المطعم والمركز الصحي التابعين لوكالة الغوث في مخيم بلاطة. كانت الساحة تعج ببضع مئات من أطفال ورجال ونساء على اختلاف أعمارهم جلوساً على الأرض. وعلى الجدار الخارجي للمطعم تابعتُ "بدهشة المرة الأولى" فيلماً صامتا بالأسود والأبيض، وأظنه كان عن حرب فيتنام. وعلى فترات متباعدة، تكررت العروض، التي كانت تنظمها جهة ثقافية تابعة للأونروا، في عين المكان. ولم أفوّت مشاهدة أي منها في ذلك الصيف.
بعد ذلك بعدة أشهر، اصطحبني ابن عمي المرحوم يوسف عمر، أنا وأخيه المرحوم صبحي عمر، إلى سينما ستوديو العاصي، حيث شاهدت بانبهار فيلم "يوم من عمري"، بطولة عبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي ومحمود المليجي وزبيدة ثروت. ومن أغاني الفيلم التي لها وقع خاص في ذاكرتي حتى اليوم أغنية العندليب الأسمر "ضحك ولعب وجد وحب"، التي استمعت إليها ورأيتها "بدهشة المرة الأولى" أيضاً.
سحرتني السينما، وأصبحت أتطلع لمشاهدة المزيد من الأفلام. كان في مدينة نابلس وقتها أربع دور للعرض، هي العاصي وستوديو العاصي وغرناطة وريفولي. كانت سينما غرناطة أكثر دور العرض فخامةً، ومتخصصة بالأفلام العربية التي تستقطب العائلات. أما الدور الثلاثة الأخرى، فقد كانت تعرض أفلاماً متنوعة.
لم يكن الذهاب إلى السينما ميسراً لصعوبة حيازة شلن (خمسة قروش) دفعة واحدة، والأهم من ذلك الرقابة العائلية، التي كانت ترى في الذهاب إلى السينما انفلاتاً و"دشارة" يُعاقب عليها تحت البند السابع!
ومع ذلك، فقد كنا نترقب بشوق حلول أحد العيدين، الفطر والأضحى، حيث يتاح لنا الانفلات من الرقابة بما نحصل عليه من قروش قليلة (عيديات)، والذهاب إما إلى السينما، وإما إلى "العيد" كما كنا نطلق على ساحة الحسبة القديمة (سوق الخضار) في نابلس. هناك، كانت تُنصب بعض المراجيح والألعاب البدائية التي كنا نستمتع بها، وخصوصاً "صندوق العجب". وكم داعبت خيالي صورة أبي زيد الهلالي بشاربيه الكثيفين المبرومين إلى الأعلى، وصورة عنترة بن شداد على حصانه شاهراً سيفه. كانت الصور تتحرك يدوياً على بكرة، ونحن جلوس متجاورون على مقعد مستطيل بدون مسند يتسع لأربعة أطفال في المرة الواحدة، ننظر إليها بعين واحدة من خلال ثقوب صغيرة في الصندوق والعين الأخرى مغمضة، مع الاستماع إلى وصف صوتي بكلمات موزونة منغّمة من الرجل صاحب الصندوق، الذي يقبض من كل واحد منا قرشاً كاملاً مقابل "الفُرجة" لبضع دقائق.
أفلام منتصف الستينيات كانت إما عربية، أبطالها عبد الحليم حافظ وأحمد رمزي وأحمد مظهر وفريد شوقي ومحمود المليجي وعبد السلام النابلسي ويوسف وهبي وسعاد حسني وناديا لطفي وعادل أدهم (عادل إمام كان ممثلاً مبتدئاً في ذلك الحين) وغيرهم. أو أفلام أميركية، جميعها من نوع الويسترن، الذي كنا نسميه "الكاوبوي"، وأذكر من أبطالها النجم الوسيم جوليانو جيما الذي كان ينتصر بمفرده على عصابة الأشرار دائما، وغاري كوبر وكيرك دوغلاس وكلينت إيستوود وجون واين وغيرهم. وكان معظم هذه الأفلام يدور حول غزو مناطق السكان الأصليين في الغرب الأميركي والاستيلاء عليها واستعراض "بطولات" رعاة البقر. 
استغلال "فترة سماح العيدين" كان يعني أنني سأشاهد أكبر عدد من الأفلام خلال ثلاثة أيام عطلة العيد، بغض النظر عن ماهيتها. كنت انتقل من دار عرض إلى الأخرى، وحيداً أو مع أصدقاء، أتوجه إلى شباك التذاكر، فأجد عند النافذة الصغيرة يافطةً مكتوبٌ عليها "العدد مكتمل"، أي أن التذاكر نفدت بالكامل. لكنني أرى خارجها أشخاصاً يحملون أعداداً كبيرة من التذاكر في مختلف الدرجات يبيعونها في السوق السوداء، ويطلبون ضعفي القيمة أو ثلاثة أضعاف ثمناً للتذكرة الواحدة، حسب جاذبية وشهرة الفيلم وأبطاله. ولم أكن أتردد، أنا وغيري، في شراء التذاكر، مع القيام في كل مرة بحسبة بسيطة، وتفقد ما بقي في جيبي من عيديات، وهل يكفي المبلغ المتبقي للعرض التالي مع تناول ساندويش فلافل وأجرة ركوب الباص للعودة إلى البيت.
كنت أتعجب وأتساءل في سرّي: كيف تمكّن باعة السوق السوداء هؤلاء من الوصول مبكراً وشراء هذا العدد الكبير من التذاكر؟ كما كنت أجهد نفسي في حساب الأرباح التي يجنونها من وراء ذلك. لكنني أدركت بعد تفتّح وعيي "مبادئ الغش والفساد" وتيقنت من أن هؤلاء الباعة هم شركاء الرجل الجالس خلف شباك التذاكر الذي يتقاسم معهم فروق الإيرادات.
لم يكن هناك تصنيف للأفلام حسب الفئات السنية كما هو متبع الآن، لذلك كنا نشاهد افلاماً فتحت أعيننا على أمور كثيرة ربما لم تكن مناسبة لأعمارنا، ومنها "المشاهد الساخنة"، التي كانت تقابل بالصفير والتعليقات من الشبان الأكبر سناً، ومشاهد العنف والقتل والدمار والدماء وغيرها.
في سن المراهقة، زاد ترددنا على السينما ولم يعد مرتبطاً بالأعياد. وجاءت موجة الأفلام الهندية بعد منتصف الستينيات. ولا أزال أذكر "أنيتا" التائهة في الصحراء وهي تغني، وحبيبها جاهدٌ في البحث عنها متخطياً جميع العقبات التي تعترض سبيله، ومنهم رئيس العصابة الذي يريد الاستئثار بها بعد ان قتل والدها. ومع مطلع السبعينيات، جاءت موجة أفلام الكاراتيه، حيث كان البطل يهزم في كل نزال جيشاً من الأشقياء على الرغم من الجراح التي يصاب بها، ويتوج الفيلم بمواجهة مباشرة مع زعيم الأشرار تنتهي بمقتله، بعد أن يتذكر البطل في استرجاع ذهني سريع ما تعلّمه على يد "معلّمه العجوز" من خدع وحركات حاسمة.
مع الانتقال إلى الجامعة، خفّ اهتمامي كثيراً بالسينما، ربما بسبب انشغالي بالدراسة، وذلك على الرغم من ترددي من حين إلى آخر على دور العرض في عمّان، مثل سينما الخيام ورغدان وبسمان والحسين وزهران، وقد كانت الأخيرة متخصصة بالأفلام الإيطالية. ولا أدري ماذا حل بهذه الدور الآن، وما إذا كانت لا تزال تعمل أم لا.
عملي في الصحافة منذ مطلع الثمانينيات جعلني أنقطع عن السينما تماماً وعن مشاهدة الأفلام، حتى في التلفزيون، وذلك بسبب الدوام الليلي الطويل. فلم يكن هناك في ذلك الوقت محطات فضائية تبث على مدار الساعة. واقتصر الأمر على مشاهدة أفلام مسجلة على شرائط فيديو في فترات متباعدة للغاية. ولم أدخل السينما في دبي سوى مرات بعدد أصابع اليد الواحدة، آخرها لمشاهدة فيلم ِAbout Schmidt لأحد نجومي المفضلين جاك نيكلسون، وكان ذلك في عام 2003.
عودة إلى دور العرض في نابلس، التي شهدت "طفولتي السينمائية"، فقد توقف نشاطها تماماً خلال الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في عام 1987، ولم تعد إلى سابق عهدها على الإطلاق نتيجة للحالة الأمنية، والتغير الكبير الذي شهدته التركيبة الاجتماعية. وأظن أن مباني دور السينما استخدمت كمستودعات لتخزين البضائع. 
لكن ما آلمني وحز في نفسي خلال تواجدي في المدينة قبل بضعة أشهر، أنني وجدت سينما العاصي وقد اختفت تماماً. فقد قرر مالكو المبنى، الذي كان من معالم المدينة البارزة، هدمه، ربما لتشييد عمارة جديدة مكانه.