«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» بهذا القول الجامع وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعمدة الأساسية التي تستقيم معها حياة الفرد باعتبارها ضرورات من دون إحداها تظل حياة الفرد منقوصة وتستمر معاناته حتى تكتمل، أول هذه المحاور والقاعدة الأساسية التي يتم البناء عليه هو الأمن، ثم العافية في البدن وصحته، ثم امتلاك قوت اليوم، والنتيجة فكأنما ملك الدنيا كلها، لأن في تلك المحاور قوام الحياة وأعمدتها الرئيسة، ولا شك أن قيمة الطعام تأتي باعتباره من أسباب استمرار حياة الإنسان.

وعند انقطاعه كما الماء والهواء تنقطع عنه الحياه برمتها، من هنا كان تأمين الطعام في المعارك كما تأمين السلاح، وكما كانت تدار الحروب عبر التاريخ بالعتاد والسلاح تدور كذلك بالحصار والتجويع، وآلام الجوع أقسى من آلام المرض وقد تكون مبعثه، لذا كان تأكيد الرسول الكريم على تلك القيمة العظيمة والمؤثرة في السلوك الإنساني حين قال «ليس منا من بات شبعان وجاره جائع».

ولأن اتحاد الإمارات العربية كان فريداً في قيمه الإنسانية، باعتبار أن القيم هي الحبل المتين التي تمسك بها المؤسسون وغرسوها في نفوس أبناء الشعب سار الخلف على درب السلف الذين تربوا في مدرستهم وعلى عيونهم وفي كنفهم فكان أن جعلوا من تلك القيم نبراساً أنار دروبنا يوماً بعد يوم، لذلك كانت الأيادي الطيبة والنفوس الزكية تنهل من مكنون خزائنها كل يوم جوامع الخيرات لتنثرها على رؤوس الخلائق داخل الإمارات ويمتد عبيرها لخارجها، فكلكم لآدم.

ولأن خير الناس أنفعهم للناس، كان إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام الخير عنواناً لعطاء بدأت بشائره تهب بمبادرة «بنك الطعام» لتؤكد الشعار الذي حمله عام الخير «افعل خيراً واصنع فرقاً»، والفرق الذي يصنعه إطلاق تلك المبادرة يأتي من جوانب عدة، منها أنه ينتقل بذلك العمل الشريف من الجهد الفردي الذي مهما اتسع يظل محدوداً إلى التنظيم المؤسسي بما يملكه من قدرات أكبر وإمكانات تتعاظم يوماً بعد يوم، واضعاً خارطة طريق لجهات متعددة لديها فائض من الطعام مثل قطاع الضيافة.

وصناعة وإنتاج وبيع الأغذية، والمزارع، لكنها لا تعرف كيف تتعامل معه، أو أن آليات التعامل مع ذلك الفائض قد تكلفها من الوقت والجهد والمال فوق الطاقة فيأخذ طريقه إلى الهدر، على الرغم من أن هناك من هو في أمس الحاجة إليه لكننا لا نعرف السبيل إليه، كما أن إطلاق تلك المبادرة الكريمة يتحول به من النشاط الذي يتم من حين إلى آخر إلى نشاط مستدام ويخرج به من دائرة العمل التطوعي إلى العمل الرسمي.

إن الأمم العظيمة لم تشيد حضارتها على أساس من الرفاه الاقتصادي فحسب لكن كانت القيمة الإنسانية مصاحبة له وقرينة ومشتبكة معه، لذا فإن البناء السليم للدول له جناحان أوله اقتصادي، والثاني أخلاقي وهو الحافظ للمكتسبات والدافع إلى مزيد من الإنجازات، من هنا فإن مبادرة بنك الطعام تستثير في الإنسان تلك المعاني النبيلة التي تجعلك دائماً تشعر بغيرك.

وما تعتبره هيناً وقليلاً قد يمثل الكثير بالنسبة لغيرك، وقد تحول مساراته في الحياة، ولذا كان قول الرسول الكريم «من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» ولم يحدد من المسلمين أو غير المسلمين إنها القيمة التي يشترك فيها الإنسان مع البشر جميعاً، قيمة الإنسانية ذاتها بتلك النفخة التي وضعها الله بداخله وهي الروح، بل وامتد بها لأكثر من ذلك حين قال «وفي كل كبد رطبة أجر».

إنه الحراك الإنساني الخيّر الدائم على أرض الإمارات التي لا تعرف غير طرق الخير، ولا ينطلق من حدائق عزها إلا ما ينفع الإنسان أينما كان سواء أكان على أرضها أو في أية بقعة على الأرض، إنه نهج في القيادة وقيمة يحملها ويعيش بها شعب، تلك القيمة التي جعلت من بلادنا منارة تعلو كل يوم لتنير لأبنائها وللعالم من حولها دروب الخير والبناء في الوقت الذي يعاني منه العالم من الدمار والخراب، وتفتح أبواب الخير في الوقت الذي مزقت فيه المطامع كيانات الشعوب.

وتقدم النموذج في صنيع الخير في الوقت الذي يتاجر فيه الغير بدماء الشعوب حفاظاً على مصالحه الضيقة، وتمسح آلام الناس في الوقت الذي يستمتع البعض بأناتهم ويعيش عليها، وتمد لهم يد العون والمساعدة في الوقت الذي يدفع البعض البشر إلى آتون الويلات، وتسير بالإنسان في دروب الخير في الوقت الذي اختار فيه غيرها طريق الشوك والآلام، وأطلقت بنك الطعام في الوقت الذي يحرق فيه البعض الزرع ويقتل الضرع.

المصدر