في أحد المسلسلات العربية خلال ثمانينيات القرن الماضي، يعود أحد أساتذة العلوم الطبيعية إلى بلاده من رحلة دراسية بعد خمس سنوات قضاها مدرساً وباحثاً في جامعات غربية. يبدو على الدكتور الصدمة من كل شيء، من تدني مستوى التعليم وحال العلاقات بين الأساتذة وبين مختلف فئات المجتمع وفي أوساط طلبة الجامعة.
وفي حوار له مع أحد زملائه من الأساتذة المقربين، نلمس مدى ندمه على تلك "العودة الميمونة"، على الرغم من الإغراءات المادية والمعنوية والفرص البحثية الواسعة التي قدمت له للبقاء في بلد المهجر. ويستذكر هذا الأستاذ، بنبرة تفيص أسىً وحسرةً، العديد من الأسباب التي دفعته إلى تلك الهجرة المؤقتة، ومنها أن أحد الطلبة ارتكب خطأً إملائياً في بحث علمي. ويغّير الأستاذ لهجته بصوت عال مخاطباً زميله بقوله: "تصور يا صديقي، أن طالباً في السنة الرابعة كتب في بحثه للتخرج حَيْسُما بدلاً من حيثما؟!".
تذّكرت واقعة مماثلة، ونحن في السنة الأخيرة في مدرسة الصلاحية الثانوية بمدينة نابلس، أي في الصف الثاني عشر، وكان يسمى في ذلك الحين "الثالث الثانوي". فقد كان منهاج مادة الفيزياء في تلك السنة ينقسم إلى مبحثين: الصوت والضوء. وفي مبحث الصوت، كان هناك موضوع الرنين، وفيه بحث مطوّل عن الترددات والرنين. وكان أستاذ مادة الفيزياء ربحي أبو زيتون (رحمه الله) يأتي لنا بأدوات واحدتها تسمى الشوكة الرنانة Tuning Fork لإجراء التجارب العملية على الترددات في الفصل الدراسي وتدوين الملاحظات.
والشوكة الرنانة هي أداة معدنية، لها تردد محدد، على شكل شوكة الطعام، لكنها بشعبتين فقط وهما أطول من مقبضها على عكس الشوكة العادية، كما أن جميع أطرافها مضلّعة. وتستخدم الشوكة الرنانة كوسيلة إيضاحية لتفسير الظواهر المتعلقة بعلم الصوت في الفيزياء ودراسة ظاهرة الرنين. كما تستخدم مجموعة من هذه الأدوات تسمى الشوكات المعايِرَة (أي تعطي كل واحدة منها تردداً محدداً)، لضبط الآلات الموسيقية مثل البيانو والآلات الوترية. كما تستخدم شوكة ترددها 512 هيرتز (أي 512 ذبذبة في الثانية) لفحص قوة حاسة السمع عند الأشخاص. وهناك شوكة أخرى ترددها 128 هيرتز لفحص السمع عند الترددات المنخفضة.
في أحد امتحانات مادة الفيزياء خلال السنة الدراسية، أخطأ أحد طلاب صفّنا وكتب "شوقة رنانة" بدلاً من شوكة. وعلى الرغم من مرور ما يقرب من 45 عاماً على تلك الواقعة، إلا أنني لا أزال أتذكر جيداً الضجة التي أحدثتها تلك "الجريمة اللغوية"! إذ لم يبق في المدرسة أستاذ واحد، بمن فيهم أستاذ التربية البدنية، إلا وأثار الموضوع في الصف ووجه توبيخاً إلى ذلك الطالب المسكين الذي أصبح حديث المدرسة بأسرها، وربما خارجها أيضاً!
كانت اللغة العربية في أوج مجدها خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وكان معدو البرامج والنشرات الإخبارية والمذيعون في المحطات الإذاعية والتلفزيونية العربية، حريصين على اختيار عباراتهم ومفرداتهم ونقاء وصحة اللفظ ومخارج الحروف حتى في الارتجال والبث المباشر. وكانوا يبدون وكأنهم فقهاء لغة الضاد، فهذا شاعر وذاك روائي أو كاتب وناقد. بل إن بعضهم كان يعد برامج خاصة باللغة العربية، مثل برنامج "قول على قول" للمرحوم حسن الكرمي من إذاعة لندن. ولا يزال صوته يرن في آذان جيلي وهو ينطق حروف اللغة وأبيات شعرها بفخامة ومتعة بالغتين.
مذيع آخر في الإذاعة الأردنية، المرحوم نيقولا حنا. كان يقرأ النشرة الإخبارية وكأنها قطعة أدبية أو خطبة يلقيها على طلبة متخصصين. ويُروى على سبيل الطرفة والمبالغة، انه كان يستعرض برامج الإذاعة في يوم ما، وكانت الأغنية لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. فلم يطق نطق اسمها بالعامية، فقال: والآن مع أغنية "كل هذا كان لماذا"! طبعاً بدلاً من "كل ده كان ليه"!
وكان الاهتمام باللغة العربية شاغل الفنانين أيضاً عندما يشدون بالقصائد الكلاسيكية أو الحديثة. ويُروى عن محمد عبد الوهاب، وهذه مثبتة في التسجيل حتى يومنا هذا، أنه عندما وصل إلى مقطع "يوم أن قابلتُه أول مرة" وهو يشدو قصيدة الجندول للشاعر علي محمود طه، لفظها "يوم أن قابلتَه أول مرة" بفتح التاء. فلاحظ على الفور الاستياء على وجه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي كان حاضراً في الاستوديو. تنبه عبد الوهاب للخطأ على الفور للخطأ الذي وقع فيه وصحح لفظ الكلمة إلى "قابلتُه" في الإعادة.
اليوم، تجلس قبالة التلفاز، وتضغط زر الريموت كونترول لتسمع العجب العجاب، من اللهجات والأخطاء اللفظية والنحوية، وسيطرة العامية واللهجات المحلية لكل دولة، بل لكل ركن في هذا الوطن الكبير الممتد من الماء إلى الماء.
أما الأغاني، فحدث ولا حرج! هل يتذكر أحدكم آخر مرة استمع فيها لقصيدة جديدة مغنّاة؟ وعلى الرغم من أن العامية في الغناء أمر عادي ومقبول، إلا أن الإسفاف في اختيار الكلمات واستخدام الألفاظ الجارحة بلغ منتهاه، مترافقاً مع المشاهد واللقطات المصورة المنافية للحياء. وكما قال شاعرنا المرحوم أحمد فؤاد نجم، وهو من أشهر شعراء العامية الملتزمين، في إحدى مقابلاته المسجّلة: "أغاني اليومين دول تتشاف ما تتسمعش".
وإذا ما عرّجت على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنك لا شك ستصاب بالصدمة من المستوى الذي وصلت إليه لغة الكثيرين، وخصوصاً أولئك الذين يفترض أنهم فرسان الكلمة وحُماتها.
اللغة العربية هجرها أبناؤها، وتنكروا لها. فترى الآباء والأمهات يرطنون مع أبنائهم بكلمات ثقيلة على السمع، بعضهم لا يتقن النطق بها جيداً، في حين يتمكن الأطفال من ذلك، ولا يستطيع الأهل في الكثير من الأحيان التواصل جيداً مع أبنائهم عندما يكبرون، أو مواكبة ما يقرؤونه من كتب أو يستمعون إليه من أغان وموسيقى أو ما يشاهدونه من أفلام. والأدهى أنك ترى الأهل في أحايين كثيرة يتفاخرون قائلين: "أولادي لا يجيدون العربية، لأنهم يدرسون في مدرسة إنجليزية أو فرنسية".
لدينا الآن أجيال لا تفرق كتابةً ومعنىً بين حرفي الظاء والضاد، مع أن لغتنا هي لغة الضاد، وبين حرفي الزاي والذال، وكذلك بين حرف الهاء في آخر الكلمة والتاء المربوطة، ناهيك عن المرفوع والمنصوب، فهذا مرحلة متقدمة للغاية!
هذه مجرد أمثلة قليلة وبسيطة. ولمن لا يعرف أهمية ذلك عليه أن يدقق في فرق المعنى بين الظِلال والضَلال، وكذلك بين عبارة "سافر سعيد مع صديقِه أسعد في رحلة ممتعة"، و"سافر سعيد مع صديقَة أسعد في رحلة ممتعة"! فالعبارة الأولى طبيعية، أما الثانية، ففيها ما فيها من شبهات لست مستعداً لأضعها في ذمتي، وليس "زمتي".. أليس كذلك؟؟