يا قمر أنا وياك، يا قمر لشو تطلع يا قمر، يا قمر على دارتنا، يا حلو يا قمر، طلع القمر، حبيبي بدو القمر، القمر بيضوي عالناس، نحنا والقمر جيران، لا تعتب عليّ أخرني القمر. هذا ما استطعت حصره وتذكره، وظني أن هناك المزيد، فهل هنالك من غنى للقمر مثل السيدة فيروز سفيرة النجوم؟
لكن القمر لم يعد قمراً منذ 20 تموز (يوليو) 1969. فقد هبطوا على سطحه، وداسوا تربته وجمعوا بعض صخوره وقفلوا عائدين إلى الأرض. وأصبح تشبيه أوجه الغيد الحسان بالقمر بلا معنى وجديراً بإثارة الغضب والاحتجاج على رأي أستاذنا المرحوم موسى الكردي، الذي كان يكرر على أسماعنا أن "أية فتاة يقال لها الآن وجهك كالقمر، ينبغي أن تغضب لأن ذلك يعني أن البثور تشوّه وجنتيها، تماماً كما أن القمر أرض تملأ سطحها الأخاديد والحفر!".
قبل 50 عاماً من الآن، بالتمام والكمال، هبط نيل أرمسترونغ السلّم من المركبة القمرية، التي انفصلت عن المركبة الأم "أبولو 11"، وخطا خطوته الأولى على سطح القمر قائلاً: "خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة عملاقة للبشرية". وبعد الاطمئنان على سلامته وعدم تعرضه لأي أذى مفترض، لحقه بعد دقائق زميله في الرحلة رائد الفضاء باز ألدرين.
كان حدثاً عالمياً بامتياز، سجلت الولايات المتحدة معه سلسلة نقاط ضد غريمها الاتحاد السوفياتي في سياق الحرب الباردة التي كان أوارها مشتعلاً في ذلك الحين.
كنت في العطلة المدرسية الصيفية في ذلك الحين بعد أن انهيت الصف السادس الابتدائي. لم يكن لدينا جهاز تلفزيون، لكنني تابعت الأخبار عبر المذياع والصحف، وشدتني الصور التي احتلت الصفحات الأولى للجرائد عدة أيام، مع تفاصيل هذا الحدث المفصلي في تاريخ البشرية.
استمر برنامج أبولو بعد ذلك، وأصبح الهبوط على سطح القمر والعودة من هناك أمرأً روتينياً، على الرغم من تعثر مهمة أبولو 13. وكانت آخر زيارة للقمر بواسطة "أبولو 17" في عام 1972. وقد أتيح لي بعد ذلك أن اتابع بعض الرحلات القمرية في بث مباشر على شاشة التلفاز.
بعد ذلك ببضع سنوات، وعندما بلغت الصف الثاني عشر (التوجيهي)، كانت القصة المقررة علينا في منهاج اللغة الإنجليزية بعنوان Return Ticket to the Moon "تذكرة عودة إلى القمر" للكاتب الأميركي هارفي هول.
يستعرض الكتاب، الصادر عن دار "هودر آند ستوتون" في أيلول (سبتمبر) 1970، في 70 صفحة من القطع الصغير، حلم الإنسان بالطيران والتحليق مثل الطيور، منذ فجر التاريخ، وحتى اللحظة الفاصلة بالوصول إلى القمر، مروراً بالميثولوجيا اليونانية، حيث تقول الأسطورة إن المهندس والنحات "ديدالوس" بنى متاهة لملك كريت "مينوس" لكي يحبس فيها الوحش "مينيتور". لكن "مينوس" عندما استاء منه حبسه في متاهته. فما كان من "ديدالوس" إلا أن صنع له ولابنه "إيكاروس" أجنحة من الريش وثبّتاها على ظهريهما بالشمع وطارا هاربين باتجاه صقلية. لكن "إيكاروس" استهواه التحليق، وطار مقترباً من الشمس غير ملتفت لتحذيرات أبيه، فخرّ صريعا من حالق بعد أن ذاب الشمع المثبّت لجناحيه بتأثير أشعة الشمس.
ولا يغفل المؤلف عن فضل العرب على التطور التاريخي للطيران، فيورد تجربة عباس بن فرناس، العالم الأندلسي الذي عاش في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وكان سابقاً لعصره، حيث برع في الشعر وقواعد اللغة العربية وجميع العلوم والصناعات، كالرياضيات والكيمياء والطب والصيدلة والفلك. كان بن فرناس أول من اخترع الشكل البدائي لقلم الحبر السائل، وأداة لقياس الوقت (ساعة) أسماها "الميقاتة". كما صنع رداء بجناحين كبيرين مكسوّين بالريش، وبعد أن درس حركة أجنحة الطيور، وقف على مكان مرتفع وحاول الطيران، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، لأنه غفل عن أهمية الذيل في الطيران. وتقول إحدى الروايات إنه وقع ومات، في حين يأتي في رواية أخرى أنه وقع وشُلّ، وقضى ما تبقى من عمره متحسراً ومردداً "نسيتُ الذيل نسيتُ الذيل". وعلى الرغم من فشل المحاولة، إلا أنها كانت ملهمةً للغاية للعلماء من بعده.
ثم تتناول القصة اختراع الطيران الشراعي الذي كشف محدودية الارتفاعات التي يمكن الوصول إليها. ثم بالونات الهواء الساخن، التي ارتفعت أكثر، لكنها أكدت هذه المحدودية بشكل قاطع. وعندما تم اختراع الطائرات على أيدي الأخوين رايت، كانت المعارف البشرية قد وصلت إلى طبيعة طبقات الجو، وتدني الحرارة وانخفاض الضغط الجوي كلما ارتفعنا في الأعالي، والحاجة إلى قوة هائلة للانطلاق إلى الفضاء الخارجي بعيداً عن تأثير الجاذبية الأرضية.
بدأ الاهتمام باستكشاف الفضاء في أواخر القرن التاسع عشر، وتحدث علماء روس في ثلاثينيات القرن العشرين عن صاروخ متعدد المراحل للخروج من الغلاف الجوي. وفي 31 تموز (يوليو) 1956، أعلنت الولايات المتحدة عن اعتزامها إطلاق قمر اصطناعي إلى الفضاء الخارجي. لكن الاتحاد السوفياتي بادر في تشرين الأول (أكتوبر) إلى إطلاق "سبوتنك- 1" ليصبح أول قمر اصطناعي في الفضاء. وأثار هذا السبق دهشة عمّت العالم، واعتبر انتصارا مهماً للدولة السوفياتية على الولايات المتحدة في إطار ما عُرف بـ"سباق الفضاء".
وفي 12 أبريل (نيسان) 1961، أطلق الاتحاد السوفياتي المركبة "فوستوك-1" وعلى متنها رائد الفضاء يوري غاغارين، الذي أصبح أول إنسان يدور حول الكرة الأرضية في مركبة فضائية. وأصبحت بعده رائدة الفضاء فالنتينا تريشكوفا على المركبة "فوستوك-6" أول امرأة تدور حول الأرض.
وأحدث هذا التطور زلزالاً في الولايات المتحدة، ما دفع رئيسها في ذلك الحين، جون كنيدي، إلى الإعلان عن هدف للأمة بوضع أول إنسان إلى القمر بحلول عام 1970.
وفي أوج الصراع العقائدي وسباق التسلح، اشتعلت المنافسة بين العملاقين النوويين اللذين يتزعم كل منهما كتلة من دول العالم، حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي، وحلف الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة. وواصل الاتحاد السوفياتي إنجازاته الفضائية ببرنامج "سيوز" ومعناه "الاتحاد"، في حين أطلقت الولايات المتحدة برنامج "أبولو"، وهو اسم الإله الإغريقي للموسيقى والضوء.
بدأ برنامج أبولو بإرسال مركبات فضائية غير مأهولة للدوران حول الأرض ثم العودة، وكانت "أبولو 7" أول مركبة مأهولة انطلقت بروادها في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1968، وتمثّلت مهمتها أيضاً في الخروج من الغلاف الجوي واتخاذ مدار حول الكرة الأرضية. ثم بدأ الاقتراب من القمر تدريجياً، إلى أن وصلت "أبولو 10" بروادها إلى مدار حول القمر وعادت إلى الأرض.
أصبح الإنجاز الآن على مرمى حجر، وأصبح العالم عامةً، والأميركيون على وجه الخصوص، يترقب انطلاق "أبولو 11" التي ستضع أول إنسان على سطح القمر.
انطلقت رحلة "أبولو 11" في 16 تموز (يوليو) وسط احتفاء ومتابعة غير مسبوقين. جاء اليوم الموعود، وانطبع على رمال القمر أول آثار لخطوات بشر، وانقسم العالم بين مهلل لهذا الإنجاز العظيم، وبين مشكك بحدوثه. ولا تزال نظرية التشكيك سائدة حتى يومنا هذا، حيث "يؤكد" البعض أن جميع عمليات الهبوط على سطح القمر جرى وضع سيناريوهاتها وتصويرها وإخراجها في صحاري الولايات المتحدة على أيدي مخرجي هوليوود!
بعد "أبولو 11"، استمر البرنامج على الرغم من تعثر مهمة "أبولو 13"، حيث تابع العالم بقلق تعطل المركبة القمرية والجهود التي بذلت لإنقاذ الرواد، والتي تكللت بإعادتهم إلى الأرض سالمين، لكن من دون إنجاز المهمة التي انطلقوا لأجلها.
شارك في برنامج أبولو أكثر من 400 ألف شخص في مختلف التخصصات، ولقي الدعم من 20 ألف مؤسسة وجامعة ومركز أبحاث وشركة صناعية، وفاقت تكلفة البرنامج بحسابات ستينيات القرن الماضي 25 مليار دولار، أي ما يقدر بأكثر من 200 مليار دولار حالياً مع حساب التضخم.
لم تعد رحلات القمر مدرجة على البرامج الفضائية منذ ذلك الحين، حيث ركزت الولايات المتحدة على رحلات المكوك الفضائي، وانخرط الاتحاد السوفياتي في مشروع المحطة الفضائية، التي أصبحت مشروعاً عالمياً فيما بعد.
في الرابع من حزيران (يونيو) 2004، أطلقت طيران الإمارات أولى رحلاتها إلى الولايات المتحدة. كانت رحلة مباشرة من دون توقف مدتها 14 ساعة، ربطت بين دبي ومطار جون اف كنيدي في نيويورك. كان من بين المدعوين للسفر على تلك الرحلة الافتتاحية رائد الفضاء باز ألدرين، ثاني إنسان يطأ أرض القمر. التقيته في مطار دبي الدولي قبيل انطلاق الرحلة، وقلت له: "هل تعلم أنك عندما مشيتَ أنت على سطح القمر، كنت أنا في الصف السادس الابتدائي؟". أجابني مازحاً، وبدهشة مصطنعة: I am not so old! (أنا لست كبيراً في السن إلى هذا الحد!).
آخر مصادفاتي مع القمر كانت في أيلول (سبتمبر) 2012. فقد كنت برفقة وفد إعلامي في العاصمة واشنطن، وذهبنا لزيارة متحف الفضاء. وأثناء جولتنا، كان العديد من رواد المتحف يتحلقون حول شاشات التلفزيون لمشاهدة حدث ينقل حياً على الهواء. كان هذا الحدث جنازة نيل أرمسترونغ!