قبل سنوات طويلة، وفي إطار نقاش يتصل بما يندرج تحت عنوان الثقافة الاستهلاكية، أذكر أن الشاعر والمترجم السوري علي كنعان، قال إنه رجا أصدقاءه المشتغلين على إنتاج ال «فيديو كليب» المصاحب للأغاني، الرأفة بعيوننا، فما نراه على الشاشة منها لا يحقق المتعة البصرية المنشودة، ولا يجعل الأغنية المعنية أقرب إلى المتلقي.
كان ذلك في الفترة التي ابتدأ فيها النوع من الفيديوهات في الانتشار، وثار حينها جدل كذاك الذي يصاحب كل صرعة، عما إذا كان ال «فيديو كليب» يمثل تطويراً يمنح الأغاني فرصاً أفضل للانتشار، أم إنه، بالعكس، يشجع على الضحالة والابتذال ويغطي نواقص المطرب أو المطربة، كضعف الحنجرة أو ركاكة الكلمات أو تواضع اللحن.
المدافعون عن ال «فيديو كليب» قالوا يومها إنه تطوير لأمر قائم، بما يلائم إيقاع العصر، مستشهدين بتصوير أغنيات محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وشادية وغيرهم، حيث إن الكثير من أغنيات هؤلاء انطبعت في ذاكرتنا بمشاهدتها على التلفزيون، أكثر من سماعها على الإذاعة أو التسجيلات الصوتية.
لكن حجة هؤلاء المدافعين ليست قوية بما يكفي. فهذه الأغنيات المصورة مأخوذة من أفلام، في الزمن الذي لا يكاد فيه فيلم ينتج دون غناء بأصوات العمالقة يومها، فكان المطربون، رجالاً ونساء، هم أنفسهم الممثلين الرئيسيين في الأفلام، أي أنه كانت لديهم مَلَكة التمثيل، أو على الأقل جرى تدريبهم عليها بدأب وعناية.
استعيد هذا من وحي ما أورده الباحث السعودي أحمد الواصل في كتابه «الأغنية السياسية في الخليج»، الذي اتخذ فيه تجربة الفنان البحريني خالد الشيخ نموذجاً، حيث ينقل عنه في مقابلة مع مجلة «سيدتي» في العام 1988، قولاً يحمل، حسب الباحث، «الكثير من الريبة والتشكك».
يقول خالد الشيخ: إني أشعر بالقلق لأن ال «فيديو كليب» يظهر فنانينا بشكل يجعلهم غرباء، فأصبحتُ لو شاهدت مطرباً من المطربين، أشعر أنه غريب عني، لأني أرى ضرورة أن أخرج من حيز ترقيص النص والموسيقى ولقطات ال «فيديو كليب». نحن لسنا راقصين، أعيدونا إلى أيام زمان، وأوقفونا بجوار شجرة فقط.
هذا القول يذكرنا بالفعل بالمشاهد المصورة للأغاني القديمة، بما في ذلك الأغاني الخليجية، التي كان المطربون يقفون خلالها أو يمشون الهوينا بمحاذاة البحر أو بجوار شجرة في أحد الحقول، أو وسط الزهور.
لكل زمنٍ إيقاعه. لا يمكن تكرار ذلك اليوم. لكن الموضوع يكمن في أن بعض ال «فيديو كليب»، لا بل الكثير منه،  بات إحدى وسائل تسويق الهابط من الأغاني وبابتذال.