تترك حالة الذعر المالي العالمية تأثيراً سلبياً غالباً ما يدفع الحكومات نحو إنفاق المال الذي لا تملكه أصلاً، إلا أنها تمتلك القدرة على إحداث طفرة في السلع لا تقف حدود تأثيراتها على الذهب، وخاصة في ظل التوقعات بعودة موجة التضخم من جديد. وقد يؤدي ضعف الدولار الأمريكي إلى دعم الذهب وبقية السلع ومنحها تلك الدفعة الإيجابية التي احتاجتها في السنوات الأخيرة.
 "نتوقع أن تشهد أسعار خام برنت خلال الشهور المقبلة نوعاً من التعافي، إلا أنها لن تتجاوز عتبة 70 دولار أمريكي للبرميل"
"محدودية النطاق التي عانت منها تداولات الذهب طيلة خمس سنوات تبدو في طريقها للنهاية"
"يتخذ الذهب موضعاً هو الأمثل لاكتساب الفائدة"
نتوقع أن تتكشف الأرباع السنوية المقبلة عن حالة عالمية من الذعر المالي، مما سيدفع العديد من السلع الرئيسية نحو تحقيق مزيد من المكاسب. ويبدو الذهب في وضع مثالي للاستفادة من سباق جديد نحو تخفيض أسعار فائدة البنك المركزي وعوائد السندات؛ فيما سيسهم تجدد الحرب بين العملات في إضعاف الدولار الأمريكي، وهو ما يعتبر عاملاً إيجابياً آخر للسلع.
وقد سلّط ستين جاكوبسن الضوء على الخطورة الكامنة في عجز التسهيلات الجديدة للسياسة النقدية عن تغيير بوصلة التوجهات وتوفير الدفعة المرجوّة لعجلة النمو العالمي. وبالنتيجة، نتوقع أن نشهد تحوّلاً نحو توسّع مالي عالمي مع تركيز على البنية التحتية والبيئة وعدم المساواة. وتبرز السلع، وفي مقدمتها الذهب، بين القطاعات التي ستستفيد أكثر من زيادة الإنفاق الحكومي للأموال التي لا تملكها؛ في ظل التوقعات التي ترجّح عودة موجة التضخّم مجدداً بعد ربعين سنويين فقط من مضيّها.
وتبدو محدودية النطاق التي عانت منها تداولات الذهب طيلة خمس سنوات في طريقها نحو النهاية خلال الشهور القادمة، فيما يستهدف المعدن الأصفر عتبة 1,483 دولار للأونصة، بنسبة ارتداد 50% عن عمليات البيع بين عامي 2011 و2015. وتستند حركة الارتفاع الأولية إلى التوقعات بأن تخفّض البنوك المركزية العالمية أسعار فائدتها لتحفيز النمو، وهو ما تأكدت صعوبة تحقيقه جراء الحروب التجارية التي عطّلت سلاسل التوريد العالمية.
وشكل تدهور عائدات السندات الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية محرّكاً رئيسياً آخر وراء إعادة تأكيد الذهب لدوره؛ خاصة ومع الأخذ بعين الاعتبار توجّه القسم الأكبر من السندات المستحقة في أوروبا نحو منطقة العائدات السلبية. وبالنسبة لتأثير ذلك على قطاع الذهب، فإن هذه العوامل تسهم في إلغاء تكلفة امتلاك أصول بقسائم صفرية أو عديمة التوزيعات مثل الذهب.

وبحسب جون هاردي، خبيرنا المتخصص باستراتيجيات الفوركس، فمن المتوقع أن يكون الدولار الأمريكي قد سبق ووصل لإمكاناته القصوى في مرحلة مبكرة من التحوّل الذي يشهده البنك الاحتياطي الفيدرالي، على الرغم من التزامن الذي شهدناه في الماضي بين قوة الدولار ودورات التسهيل التي طرحها بنك الاحتياطي الفيدرالي. وبناء عليه، فإننا نتساءل إن كان الدولار سيتراجع أخيراً، فمن شأن ذلك توفير رياح دافعة افتقدها الذهب وبقية السلع في السنوات الأخيرة الماضية.
وتتمثل أكبر الأخطار المحدقة بسيناريو ارتفاع أسعار السلع في احتمال التوصل إلى اتفاق تجاري كبير بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مما يحجّم من توقعات الأسواق بشأن مقدار انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية. وبالرغم من ذلك، تكشف البيانات أن الدوافع الائتمانية العالمية تستمر بالإشارة إلى أننا لم نجتز مرحلة الانخفاض الاقتصادي بل إنها تلوح في الأفق.
وفيما شهدت الفضة أدنى مستويات التداول منذ 26 عاماً قياساً بالذهب، نلاحظ نفحة من الانتعاش الإضافي لأسباب أبرزها توجه المستثمرين في الآونة الأخيرة نحو تفضيل تداولات الفضة التي تعتمد على البيع. ويتمثل سيناريو الأداء الاقتصادي الإيجابي والمعتدل، والذي قد يعيد الحياة إلى الفضة، في ضعف الدولار وانخفاض العائدات مع التركيز المتزايد على الإنفاق المالي المذكور.
واستقرّت أسعار النحاس في مستوى منخفض عند 2.60 دولار للرطل و5,750 دولار للطن في بورصة لندن للمعادن. ونتوقع أن يستند دعمها إلى قيود العرض التي تعوّض مخاوف الطلب الحالي قبل زيادته. ونرجّح الزيادة المستمرة للإنفاق على البنية التحتية والتوجه نحو الابتكارات الكهربائية الشرهة للنحاس، لاسيما مع ارتفاع الأصوات المنادية بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمكافحة التلوث وتغيرات المناخ.
ويبدو أن التقلبات التي شهدتها أسعار النفط الخام خلال الأشهر الستة الماضية مستمرة، حيث أسهمت العديد من العوامل في نشوء صعوبات وتحديات في السوق. وتمثل الموضوع الرئيسي للربع الماضي في النمو المنخفض الذي أدى إلى تراجع ملحوظ في الطلب العالمي على النفط الخام. وأضافت الارتفاعات الموسمية الأربعة المتتالية في مخزونات الخام الأمريكي مزيداً من الضغوطات على الأسعار، قبل أن تنتعش عند 50 دولار للبرميل (خام غرب تكساس الوسيط) و60 دولار للبرميل (خام برنت).
ونتوقع أن تُجدد أوبك وروسيا تأكيد التزاماتهما باحترام سقف الإنتاج المحدد خلال الفترة المتبقية من العام. وعلاوة على ذلك، فإن استمرار مخاطر الإنتاج من الدول الهشة الخمسة، وتحسّن الرغبة بالمخاطرة نظراً للتخفيض المتوقع في أسعار الفائدة الأمريكية، وضعف الدولار، وارتفاع حدة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالشرق الأوسط، يدفعنا لترجيح أن تشهد أسعار خام برنت خلال الشهور المقبلة نوعاً من التعافي إلا انها لن تتجاوز عتبة 70 دولار للبرميل.

وستبقى السلع الزراعية مترقبة لأي تقلّبات محتملة في المستقبل، حيث انتقلت المشكلات التي عانى منها المزارعون في أوروبا ومنطقة البحر الأسود جرّاء الجفاف العام الماضي إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير. كما أحدثت الأمطار الغزيرة والفيضانات انخفاضاً حاداً في توقعات حجم إنتاج الذرة بالولايات المتحدة الأمريكية، في حين وقع الشك بجودة محاصيل القمح.
وبالرغم من ارتفاع أسعاره، بذل فول الصويا جهداً كبيراً لاكتساب مزيد من الزخم وسط الحرب التجارية واندلاع حمّى الخنازير الأفريقية، والتي أدت إلى تراجع حجم الطلب من الصين. وفيما تشير التوقعات إلى استفادة المزارعين خارج الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما في أمريكا الجنوبية، من ارتفاع الأسعار الناجم عن الإنتاج حسب الرغبة، فإن التأثير الكلي على الأسهم العالمية قد لا يبرر ارتفاع الأسعار، ونرى خطورة في وقوع تراجع خلال الشهور القليلة المقبلة.