أكد معالي زكي أنور نسيبة وزير دولة , حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على محاربة كل اشكال التعصب والتطرف والعمل على إرساء قيم التسامح والعدل ونشر السلام  بين الشعوب .
جاء ذلك في كلمة القاها أمس امام منتدى معهد بوسولا في العاصمة البلجيكية بروكسل  حول سياسات القيم المشتركة: بعنوان  بناء مجتمعات متسامحة , بحضور عدد من رؤساء الحكومات السابقين والوزراء في الاتحاد الاوروبي و الأعضاءُ في المجلسِ الاستشاري لمعهد بوسولا، وحشد من المفكرين والعلماء .
وقال نسيبة امام المنتدي الذي عقد يومي 13 و14 يونيو 2019 في بروكسل انه  من المهمِّ للغاية أن نعملَ على تعزيزِ الحوارِ والتفاهمِ بين دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجي وأوروبا، وأنا واثقٌ من أنكم ستلعبون دوراً رئيسياً في هذا المسعى حيث إن القضايا التي نُناقشها اليوم - استكشافَ القيمَ المشتركةَ التي تربطنا وكيف يُمكننا بناءَ مجتمعاتٍ أكثرَ تسامحاً – تأتي في الوقتِ المناسبِ والمهم. لأنني أرى أن هذهِ القضايا يجبُ أن تكونَ في صميمِ التعاونِ بين المنطقتين.
ومضى قائلاً " نجتمعُ هنا اليومَ بعد انقضاءِ حوالي 80 عاماً على اندلاعِ الحربِ العالميةِ الثانية؛ حربٌ ضدَ نظامٍ يمثلُ أشدَّ أشكالَ التعصبِ تطرفاً، وهذا بحدِّ ذاتهِ أمرٌ لا يُطاق. لقد كانت حرباً تأسسَتْ على أسطورةِ التفوّقِ الجوهري، تلكَ الحربُ التي مكّنت أهوالَ المحرقةِ؛ الإبادةِ الجماعيةِ التي أصبحتْ ممكنةً من خلال تجريدِ شعبٍ بأكملهِ من إنسانيته. ويجبُ ألا نسمحَ أبداً لهذا النوعِ من التعصبِ الشديدِ بالازدهارِ مرة أخرى.
وقال معالى زكي أنور نسيبة أن نلتقي هنا في بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، أمرٌ متميّزٌ بحدّ ذاتهِ. لأنَ وجودَ الاتحادَ الأوروبي بحدِّ ذاته هو بمثابة استنكارٍ قوي لمبدأ التعصب. لكنْ وللأسف، يبدو أنَّ التعصبَ والاستقطابَ يتصاعدان من جديدٍ حولنا اليوم.
وأضاف " يكتسبُ الزعماءُ السياسيونَ الشعبويون والخطباءُ الدينيون الزائفون والأحزابُ ذاتَ الدوافعِ الإثنيةِ ومروجو الخوفَ الاجتماعي أو الاقتصادي، مكانةً بارزةً في أنحاءٍ مختلفةٍ من العالمِ حيث يبنون خطاباتهم على إيديولوجيةِ الاستبعادِ والاحتقارْ.
وقدْ أدّى ذلك، في أشدِّ أشكاله، إلى تطرفٍ اتخذت فيه الكراهيةُ لجماعةٍ أخرى، سواءً كانت دينيةٍ أو عرقيةٍ أو سياسيةٍ، شكلاً عنيفاً.
ومضيى يقول في كلمته " لقد رأينا هذا مؤخراً في الهجماتِ الوحشيةِ على الكنائس في سريلانكا، أو على المساجد في نيوزيلندا، أو على المعابدِ في بيتسبرغ. أو بالفعل برزَ في الهجماتِ الإرهابيةِ المتعددة في أوروبا خلالَ السنواتِ القليلةِ الماضية، بما في ذلك بالطبع هنا في بروكسل. حيث كانت هذه الهجماتُ بمثابةِ تذكيرٍ مأساوي بأنَّ التطرفَ والإرهابَ ليس لهما دينٌ.
واكد إن الكفاحَ ضدَّ هذهِ الآفات هو قاسمٌ مشتركٌ بين أوروبا والشرق الأوسط.
لكنَ التعصبَ يأخذُ أشكالاً يومية أيضاً؛ تلكَ التي نراها في جميعِ أنحاءِ أوروبا اليوم.
وقال معاليه " إننا نراها في النغماتِ السياسية الصاعدة لخطابٍ شعبوي يسعى إلى حثِّ المجتمعاتِ على بناء جدرانَ الحمائية من حولها لتحلَّ محلَ عقودٍ من بناءِ الجسورِ المتينة مع المجتمعات والأمم الأخرى.
وأضاف قائلا " نحنُ نرى ذلك في إبرازِ المهاجرينَ كمصدرٍ شيطاني لمصائبِ الناس.
و نرى ذلك في الاستقطابِ المتزايدِ بين أتباع الأحزاب السياسية المختلفة.
كما نراها أيضاً في الوجودِ المستمرِ لتهويل الإسلام ومعاداة السامية.
وقال " تعتمدُ كافةُ أشكالَ التعصبِ هذه على تجريدِ جماعةٍ أخرى من الإنسانية. مجموعةٍ واحدةٍ تُشككُ بشكلٍ أساسي في قدراتِ المجموعةِ الأخرى أو دوافعها أو قيمتها الأخلاقية. للأسف، فإن نفسَ الظاهرة موجودةٌ في الشرق الأوسط، فقط بأشكالٍ مختلفة. فهناك نرى استخدامَ سياسةَ الهوية الطائفية لنغر صدور جماعة دينية ضد جماعة أخرى في المنطقة.
وأوضح معاليه " نحن نرى ذلكَ في شيطنةِ الولايات المتحدة أو الغرب من قبلِ بعض البلدان والجماعات. كما نرى ذلك في غيابِ الاحترامِ والكرامةِ الممنوحة للمرأة في أجزاءٍ من المنطقة.
وقال "سواءً في أوروبا أو الشرق الأوسط، فإن هذا الاستقطابَ يقوّضُ قدرتنا على العمل معاً لإيجاد حلولٍ عمليةٍ للمشاكلِ المشتركة، سواءً المحلية أو الدولية. وهذا التجريدُ من "الآخر" يمكنُ أن يقودنا إلى افتراضِ أن "الآخرين" لا يشاركوننا قيمنا.
وذكر معاليه بالقول " لقد كنت محظوظاً لأنني عملتُ مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسسُ دولة الإمارات العربية المتحدة، وشهدتُ كيف نسجَ قيمَ الاحترامِ والتسامحِ في أسس نظامنا السياسي.
واكد ان هذا هو السببُ في أننا في دولة الإمارات العربية المتحدة نفخرُ بإنشاءِ واحدةٍ من أكثر المجتمعات التي يسودها التنوّعُ في المنطقة، حيث تعيشُ وتعمل أكثر من 200 جنسيةٍ من ديانات مختلفة معاً، ويجدونها آمنةً للازدهار وممارسة دينهم وأساليبهم الحياتية بكل حرية. هذا ممكن لأننا صُغنا هويتنا الوطنية على أساس قيمٍ مثل التسامح واحترام الآخرين. وهذا هو السبب في أننا نشارككم مخاوفكم بشأن تصاعد مدّ وجزرَ التعصبِ والمواجهةِ من حولنا.
وقال انه في الواقع، أخشى أن يؤدي شكل من أشكال الاستشراق، وربما نظيره من الشرق الأوسط، إلى تقويض التفاهم والتعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا في بعض الأحيان كما نشكّ أحياناً في دوافع بعضنا البعض بسبب المفاهيم الخاطئة حول قيمنا.
وأضاف قائلا " لكن بصفتي شخصٌ قضى معظم حياته بين الإمارات وأوروبا، فليسَ لديّ أدنى شكٍ في أننا في الإمارات نشتركُ مع الأوروبيين بقيمٍ مُتماثلة إلى حدٍّ كبير.
في الواقع ، لقد تأثرت كثيرا عندما حذرت أنجيلا ميركل مؤخراً من أن: "أكثر من أي وقت مضى ... نحن ... نتجادل حول طريقة عيشنا معاً حول قيم الانفتاح والتسامح والاحترام".واكد ان هذه هي في الواقع القيم التي يجب أن نقاتل جميعاً من أجلها والقيم التي نُقسمُ بها في الإمارات. "
وقال معاليه " نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة ، نتصدى لهذا التعصب الذي يسود معظم مناطق العالم  بإعلان 2019 "عام التسامح".ويهدف هذا إلى رفع مستوى الوعي بالتسامح كمفهوم عالمي، وسنّ سياسات وممارسات تهدف إلى تضمين قيم التسامح والحوار والتعايش والانفتاح على الثقافات المختلفة بشكل مستدام.
وكجزءٍ من هذه السنة الخاصة، نفتخرُ ونعتزّ بأن دولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت في شهر فبراير، أول دولةٍ في شبه الجزيرة العربية تستقبل قداسة البابا.
كان لهذه الزيارة صدىً حافلاً بالمعاني، شبيهة بتلك اللحظة التي سافر فيها القديس فرنسيس الأسيزي، الذي يحمل نفس إسم البابا، إلى الشرق الأوسط في عام 1219 لمقابلة السلطان مالك الكامل خلال الحملة الصليبية الخامسة - للتعبير في خضم مرحلة الغضب والصراع عن رسالة تحمل الاحترام والأمل.
وقال نسيبة انه خلال زيارة البابا للإمارات العربية المتحدة، شارك الأب الأقدس في مؤتمر بين الأديان حول الأخوة. تحدث باستفاضة مع مجلس الحكماء المسلمين حول توطيد الحوار والتسامح والتعايش الإنساني وعن إطلاق مبادرات مهمة لتحقيق السلام والاستقرار.
كما وقّع قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على وثيقة الإخوة الإنسانية البارزة التي تتضمن الوئام بين الأديان وتدعو المواطنين إلى التوقف عن استخدام الأديان للتحريض على الكراهية والعنف والتطرف، والامتناع عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال الإرهاب والقمع. وتشدد الوثيقة أيضاً على ضرورة الاعتراف بحقّ المرأة في التعليم والعمل، ووجوب بذل الجهود لتحرير النساء من الاضطهاد التاريخي.
وأضاف قائلا " لقد كانت زيارة رائعة ومثمرة. وتحدّتنا جميعاً للإجابة على سؤال البابا الأساسي: كيف يمكن للأديان أن تُشجّع الأخوة بدلاً من أن تخلق الحواجز؟
هذه دعوة قوية إلى العمل، دعوة إلى تبنّي التسامح، وهي موجّهة لكل واحد منا. الدعوة إلى تبنّي العمل الشاق المتمثل في فهم بعضنا البعض، وتحديد الطريق للأمام معاً ثم الاستمرار في المسار، بعقل منفتح لا يعرف الخوف.
وقال مخاطباً الحضور " إذا لم تقرأوا هذه الوثيقة، فأنا أحثكم على ذلك. لأنها غنية بالدعوات الملهمة حقاً للإنسانية والتسامح , وأعتقد بأننا جميعاً بحاجة إلى تبنّي روح هذه الوثيقة، والعمل على تعزيز قدرٍ أكبر من التسامح في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط " .
وذكر معالى وزير الدولة الاماراتي " معرض إكسبو 2020 في دبي سيشكل فرصة عظيمة لتحقيق ذلك بحذافيره، لا سيما مع شعاره الجامع " تواصل العقول وصنع المستقبل" .
فبمشاركة 190 دولة، سيحتفي إكسبو بقيم الاشتمال والتسامح والتعاون، وسيوفر الفرصة المنشودة لتعزيز الحوار والتضامن بين الأمم.
وقال امام المنتدى " في الامارات، أدركنا منذ سنوات عديدة أن مساجدنا ومدارسنا غالباً ما تكون مواضع يتمّ استغلالها لنشر الروايات التي تدعو إلى الفرقة والتعصب. وبحمد الله، وبفضل سنوات من الإصلاح المدروس، لم يعد الأمر كذلك.
وعلى الصعيد الدولي، نتصدى أيضاً للأفكار المتطرفة. فلدينا كل من مركز هداية لمواجهة العنف والتطرف، ومركز صواب، وهو مشروع مشترك مع الحكومة الأمريكية يهدف إلى دفع الروايات المتطرفة التي تنتشر عبر شبكة الإنترنت، بما في ذلك داعش.  
كما قمنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، بإدخال مبادرات التسامح لمدارسنا، بالإضافة إلى تعهد التسامح الذي نشجع كافة أفراد المجتمع على الالتزام به، داعمين هذه القيم في كافة تصرفاتهم ومناحي حياتهم. كما بدأنا أيضاً بتعزيز قيم التسامح في ثقافتنا وطريقة حياتنا. ويُعد متحف اللوفر أبوظبي الذي افتُتح عام 2017، رمزاً هاماً للتسامح، حيث يسلط الضوء على القيم المشتركة التي تقاسمتها الثقافات الإنسانية على مدى العصور وفي مختلف الفضاءات. إن عرض التوراة والإنجيل والقرآن جنباً إلى جنب مع المخطوطات الفيدية والرموز البوذية يعد بياناً قوياً عن التسامح.
وفي مطلع هذا العام، استضافت أبوظبي الأولمبياد الخاص، الذي لم يكن مجرد حدث رياضي. فقد استغلته قيادتنا عامدةً ليكون فرصةً لتثقيف مجتمعنا حول الأشخاص الذين يعانون من اختلافات فكرية أو جسدية وجلبهم إلى واجهة الحياة العامة.
لأن جوهر التسامح لا يقتصر على تقبُّل وجود الآخر فحسب، بل الاحتفاء بالاختلاف في عالمنا أيضاً.
وقال " عندما دعت القيادة الإماراتية البابا لزيارتها، لا تتخيلوا أنه لم يكن هنالك أصواتٌ معارضةٌ في المنطقة. ففي النهاية، هنالك سبب وراء كونها المرة الأولى.
ولم يكن توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية ممكناً إلا لوجود قائدين دينيين حملا التصور والتعاطف والالتزام لبناء عالمٍ أكثر تسامحاً.
واضاف " لكن هؤلاء الناس في مناطق التعصب والتطرف يحتاجون إلى حكوماتٍ وجهات فاعلةٍ أخرى، تأخذ على عاتقها العمل بلا كلل أو ملل لإحلال السلام وتوليد الوظائف. وهذه هي أولويات دولة الإمارات العربية المتحدة. نحن ملتزمون بإيجاد حلول سياسية للصراعات ودعم التجديد الاقتصادي في الشرق الأوسط. ولذلك قدمنا أكثر من 25 مليار دولار في السنوات الخمس الماضية كمساعدات أجنبية لدول المنطقة لمساعدتها على تحقيق التنمية المستدامة وعلينا مضاعفة جهودنا الجماعية في هذا الصدد.
وأختتم معالى زكي انور نسيبة كلمته قائلاً " إسمحوا لي بمدّ يدي من دولة الإمارات العربية المتحدة ، والالتزام بالعمل معكم لتعزيز هذه القيم حتى يتسنى لنا جميعاً التطلع إلى مستقبل يتسم بالتسامح المتزايد " .