إن سبب إثارتي لهذا الموضوع هو التقرير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية في مارس 2016 عن أهم 10 أمراض تسبب الوفيات ناجمة عن التلوث البيئي والذي بلغ عدد ضحاياه 12.6 مليون نسمة في العام 2012 فقط، أي واحد من كل 5 أشخاص قضوا نحبهم في ذلك العام. ومن بين مسببات الوفيات تلوث الهواء والمياه والتربة والتعرض للمواد الخطرة والسامة والتغيير المناخي، بسبب عوامل مختلفة من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فعلى سبيل المثال، التعرض للأشعة فوق البنفسجية يتسبب في تفشي أكثر من مئة مرض. وتعتبر الوفاة بسبب السكتة الدماغية الناجمة عن التلوث البيئي وعددها بلغ بحسب التقرير (2.5 مليون شخص) الأعلى من بين تلك الأمراض، تليها بالعدد الأمراض التالية أمراض القلب (2.3 مليون)، والإصابات غير المتعمدة (1.7 مليون)، والسرطان (1.7 مليون)، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة (1.4 مليون)، والإسهال (846 ألف شخص)، التهابات الجهاز التنفسي (567 ألفاً)، عدوى حديثي الولادة (270 ألفاً)، ملاريا(259 ألفاً) والإصابات المتعمدة (246 ألفاً). وأشار التقرير إلى أن الوفيات على المستوى الإقليمي تظهر أن البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط من خلال أقاليم منظمة الصحة العالمية في جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ التي عرفت في 2012، أعلى في نسب الأمراض المرتبطة بالبيئة. كما سجّلت 7.3 مليون حالة وفاة معظمها بسبب تلوث الهواء في الأماكن المغلقة والهواء الخارجي. وقسّم التقرير إحصاءات الأقاليم من الوفيات السنوية كالآتي: 3.8 مليون حالة في جنوب شرق آسيا، و3.5 مليون في منطقة غرب المحيط الهادئ، و2.2 مليون في المنطقة الإفريقية، و1.4 مليون في المنطقة الأوروبية، و854 ألف حالة وفاة في شرق المتوسط، و847 ألفاً في الأمريكيتين. الطبعة الثانية من التقرير الذي حمل عنوان « منع المرض من خلال بيئة سليمة: تقدير أعباء المرض الناجم عن البيئة» يوضح أنه منذ نشر الطبعة الأولى قبل 10 سنوات، سجلت 8.2 مليون حالة وفاة ناجمة عن الأمراض غير المعدية، يمكن أن تعزى إلى تلوث الهواء بما في ذلك التعرض للتدخين. السكتة الدماغية، أمراض القلب، السرطان والأمراض التنفسية المزمنة تمثل الآن نحو ثلثي الوفيات المرتبطة بأسباب بيئية. هناك أيضاً انخفاض في عدد الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية مثل الإسهال والملاريا، وغالباً المتعلقة بنقص المياه وقلة المرافق الصحية وسوء إدارة النفايات. ويفسر ذلك بشكل رئيسي من خلال تحسين فرص الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تحسين فرص الحصول على التحصين والناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات والأدوية الأساسية. وهناك أيضاً وفيات تسببها الضوضاء بخاصة لكبار السن أو ذوي المشاكل القلبية إلى جانب الأطفال الذين قد يتعرضون إلى الصمم، كما أن النشاط البشري وغياب التخطيط المستدام في التطوير العمراني والتنموي في بعض البلدان أثرا ليس في بيئة البلد نفسه ومرافقه الحيوية بل تعدياه إلى البلدان المجاورة وشواهد ذلك عديدة عبر التاريخ، منها حوادث المفاعلات النووية أو التسرب النفطي وغرق السفن في البحار أو دفن النفايات الخطرة والسامة في الترب، وغيرها الكثير. وربع دول العالم ليس فيه منشآت لتنقية المياه العادمة. وحالياً، فإن نحو 3 مليارات نسمة في العالم يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة. يضاف إلى ذلك أن خُمس دول العالم فقط طبّق إجراءات لزيادة كفاءة استعمال الأسمدة النيتروجينية التي تفاقم تلويث المياه. وتقدر دراسة جامعة «ييل» أن التلوث الناتج عن تلك الأسمدة يتسبب لدول الاتحاد الأوروبي بأضرار سنوية لا تقل عن 70 مليار يورو. وفي المقابل، فإن فنلندا تقف في طليعة الدول من حيث الإنجازات البيئية، بخاصة التزامها بالقانون الذي شرعته والقاضي باستهلاك 38% من الطاقة من مصادر متجددة، كما أن التوقف عن استخدام الرصاص لأغراض منزلية في أمريكا أدى إلى فوائد اقتصادية تقدر بنحو 70 مليار دولار. إن التشريعات التي تحظر التدخين من شأنها أن تقلل من التعرض للتدخين السلبي. كما يجب تحسين حركة المرور في المدن والتخطيط وبناء المساكن الموفرة للطاقة، وزيادة المساحات الخضراء من خلال الحدائق والجزر الوسطية والتشجير ما يسهم في الحد من الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء وتعزيز ممارسة التمارين البدنية. 

المصدر