بأمسية حملت عنوان "أسطورة العود"، أطل، أمس الأول (السبت)، على جمهور مسرح جزيرة العلم، أربعة من مبدعي العزف على العود، هم الفنان العراقي نصير شمة، والفنان السوري حسين سبسبي، والفنان العراقي خالد محمد علي، والفنان التركي نجاتي تشيليك، الذين أمتعوا جمهور مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، بأعذب المقطوعات الموسيقية وأشهرها.

وينظم أمسيات الدورة الرابعة لمهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، مركز فرات قدوري للموسيقى، برعاية هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) والذي يستمر حتى 14 يناير الجاري، في واجهة المجاز المائية، والقصباء، وجزيرة العلم، بمشاركة نخبة من الفنانين والفرق الموسيقية من 14 دولة عربية وأجنبية، هي: الإمارات العربية المتحدة، ولبنان، والعراق، ومصر، والأردن، وسوريا، وفرنسا، وإسبانيا، وهولندا، وأوكرانيا، وتركيا، وكوبا، وكولومبيا، والولايات المتحدة الأمريكية. 

افتتحت الأمسية، التي شهدت إقبالاً جماهيرياً ملحوظاً، بعزف جماعي شارك فيه الفنانين الأربعة، الذين قدموا حواراً فنياً مبدعاً من التراث الموسيقي العربي، فعزفوا مقطوعة "قدك المياس" و"فوق لنا خل" التي عرف بها الفنان العراقي الراحل ناظم الغزالي، و"بالي معاك"، إلى جانب مقطوعات موسيقية أخرى، نالت إعجاب الجمهور وتفاعلهم مع العازفين الأربعة في سهرة امتدت حتى منتصف الليل.

ليطل من بعدهم الفنان السوري حسين سبسبي في وصلة عزف منفردة، قدم خلالها مجموعة مقطوعات عكست إحساسه المرهف، بدأها بمقطوعته "حديث المطر" وهي من تأليفه، وقدمها على مقام "بياتي"، تلاها بمقطوعة "يا مال الشام" المستمدة من التراث الشامي، وهي تعد واحدة من أشهر المقطوعات في القدود الحلبية، وخلال وصلته، قدم الفنان سبسبي روائع موسيقية عديدة عكست تقنياته الخاصة في العزف والتي جعلت منه واحداً من أهم مدرسي العود في بلده، قادته لتشكيل فرق موسيقية عديدة أهمها "ثنائي العود" وثنائي "العود والجيتار".

من جانبه أمتع الفنان العراقي خالد محمد علي، الجمهور بما قدمه من مقطوعات سماعية من تأليفه الخاص، أبرز من خلالها مفردات الموسيقى ومقاماتها، فكانت مقطوعته الأولى "سماعيات" وهي إحدى مجموعاته الموسيقية التي تنقل فيها بين المقامات الموسيقية على العود، مثل الرست والحجاز والكرد وبيات، في حين جاءت مقطوعته الثانية بعنوان "لونغا" والتي تشبه إلى حد كبير نغمات "السوينغ" الايقاعي السائد لدى الأميركيين السود، ليبرهن خالد محمد علي من خلال مقطوعته الثانية على قدرة العود في إبداع نغمات مختلفة المقامات والإيقاعات.

أما الفنان التركي نجاتي تشيليك، صاحب لقب "منير بشير تركيا"، فجاءت مقطوعاته مختلفة نوعاً ما، حيث قارب فيها بين الموسيقى العربية والتركية، فكانت نغماته خفيفة الظل وقريبة من القلب، وحملت بعضاً من ملامح الموسيقى الريفية التركية، ما منحها روحاً مختلفة عن بقية زملائه، عكست أسلوبه الخاص المعروف بتفرد جمالياته، وكان الفنان تشيليك الذي يشارك للمرة الأولى في مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، قد أسس مدرسة خاصة لتعليم العزف على العود، وعمل أستاذاً لتعليم العود في مؤسسات أكاديمية عدة، كما أقام في اسطنبول أول مهرجان للعود، جمع فيه أفضل عازفي وصانعي العود للاحتفال بهذه الآلة.

في حين، قدم الفنان العراقي نصير شمة، مقطوعتين الأولى حملت عنوان "غارسيا لوركا" والتي كان قد ألفها في العام 2000، وجمع فيها بين تقنيتي العزف على العود والجيتار، فجاءت مقطوعته جامعة بين الموسيقى العربية والإسبانية. أما مقطوعتة الثانية فكانت بعنوان "أشوريا" والتي جمع فيها معزوفات عديدة من بينها "زروني كل سنة مرة"، و"البنت الشلبية" التي غنتهما السيدة فيروز، حيث تفاعل معها الجمهور الذي لفت نظره طريقة عزف نصير شمة، خاصة عندما قدم مقطوعته الأولى بيد واحدة، ليصفق له الجمهور طويلاً.

الفنان نصير شمة وفي مداخلة له، توجه بالشكر الجزيل إلى القائمين على مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية على استضافته وزملائه في المهرجان، مشيداً في الوقت نفسه، بما تقدمه إمارة الشارقة، من دعم للثقافة والفنون. وقال: "لقد أصبحت الشارقة عاصمة للثقافة والفن، من خلال ما تقدمه من مهرجانات عديدة تشمل كافة الفنون الإبداعية، وباحتضانها لمهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، فهي تفتح بذلك باباً جديداً لكافة الفنون الموسيقية العالمية". وأضاف: "لقد تمكن مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية من تحقيق سمعة عالمية، وهذا يدل على ما يبذله القائمون عليه من جهد في سبيل إيصاله إلى العالمية، حيث يستضيف في فعالياته أنواعاً مختلفة من الفنون الموسيقية العالمية، لتعزيز الثقافة الموسيقية في المجتمع".

وكانت المقطوعات التي عزفها الفنان نصير شمة، قد عكست ما يتمتع به من رؤية مميزة في عزف العود، حيث عرف بكونه  صاحب مدرسة موسيقية فريدة من نوعها، استطاع من خلالها تقديم العود بقوالب جديدة، تبين مدى تأثير هذه الآلة وحضورها في الموسيقى العربية، وقد عكس ذلك من خلال إدارته لـ "بيت العود العربي" في القاهرة، وفروعه الأخرى الموزعة على دول المنطقة.

وسيكون الجمهور على موعد في الساعة التاسعة من مساء اليوم الأحد، الثامن من يناير، مع الفنانة ريهام عبد الحكيم بمصاحبة أوركسترا دار الأوبرا المصرية بقيادة المايسترو محمد الموجي، حيث ستقدم أمسية غنائية تحت عنوان "في ذكرى أم كلثوم"، تقدم من خلالها باقة مختارة من أجمل أغنيات السيدة أم كلثوم، القامة الفنية الشامخة، التي نسج كلمات موسيقاها كبار الشعراء والملحنين.

كما سيكون جمهور المهرجان يوم الأثنين في تمام الساعة التاسعة مساءً، على موعد مع أمسية مميزة على مسرح القصباء، تمزج بين موسيقى الجاز وآلة السيتار الهندية، يقدمها فرقة ثلاثي مايك ديل فيرو،  مع عازف الباص جيرون فيرداغ، وعازف الدرامز برونو كاستيلوشي،  ليقدموا مجموعة من مقطوعات الجاز الرائعة مختلطة بنفحات من أنماط موسيقية هندية كلاسيكية، ومن المقرر أن يشاركهم في الأمسية الموسيقار الهندي المعروف وعازف السيتار العالمي نيلادري كومار، الذي يحسب له الإسهام الكبير في  الموسيقى الهندية الكلاسيكية، كما يشارك في الأمسية أيضاً مغنية الجاز المعروفة ديبورا كارتر، والتي ستقدم مزيجاً من أغنياتها المشهورة.

يذكر أن مركز فرات قدوري للموسيقى يسعى من خلال إقامة هذا المهرجان، الأول من نوعه في إمارة الشارقة، إلى تعزيز الحضور الثقافي والفني للشارقة ولدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى تعريف المجتمع الإماراتي بمختلف الثقافات الموسيقية من جميع أرجاء العالم، فضلاً عن إثراء رصيد إمارة الشارقة بعناصر الجذب الثقافية والفنية والسياحية.