في بداية كل عام جديد، تتجدد الرؤى والأفكار. ونحن المصممون نسعى دوماً إلى الوصول إلى أفكار جديدة تساعدنا على فهم العالم بشكل أفضل وأعمق. وفي إحدى مقالاتها الأخيرة، توجهت مجلة "فاست كومباني" إلى خبراء التصميم في "مايكروسوفت" و"جوجل" و"آيديو" و"فوريستر" لتستشف توقعاتهم بخصوص مجال التصميم لعام 2019. وتشير المقالة إلى أن عام 2018 حمل أخباراً مقلقة بشأن معاناة الجميع من التعاسة وساعات العمل الزائدة وبأن الجميع "فقدوا عقولهم" بسبب المنصات الرقمية.

 

يدفعنا هذا إلى طرح الأسئلة التالية: كيف يمكن للمصممين والمواهب الشابة التي ننميها وندعمها في دولة الإمارات العربية المتحدة أن ينخرطوا في تجارب مشبعة ومجدية؟ كيف يمكن للمصممين أن يكونوا في طليعة التغيير؟

 

وظيفة المصمم هي أَنْسَنَت التكنولوجيا ولا سيما في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وكي نحقق المنفعة المرجوة من هذه التطورات، علينا تحويل استخدام التكنولوجيا إلى تجربة هادفة ومجزية.

 

ولعل أهم مزايا التصميم على هذا الصعيد تتمثل في جعل التكنولوجيا أكثر ملائمةً للمستخدم، إذ يمتاز المصممون بقدرتهم على التعاطف وببراعتهم في إثراء تجربة تفاعل المستخدمين، بما يتيح للمستخدم تحقيق أهدافهم. فالهدف ليس التكنولوجيا بحدّ ذاتها، فهي مجرد أداة لبلوغ آفاق جديدة. وهنا يكمن جوهر التصميم، إذ يهدف إلى حل المشاكل المعقّدة عبر تزويد المستخدمين بمنتجات مفيدة وسهلة الاستخدام تساعدهم على رفع سوية معيشتهم.

 

ومع حلول الثورة الصناعية الرابعة وانتشار الحوسبة في كافة المجالات، يتطلع الناس إلى تحقيق إنجازات مشبعة ومجدية. وبات التصميم اليوم عنصراً هاماً لتحقيق هذه الغاية. فمن أجل تحقيق إنجازات مشبعة ومجدية، نحتاج إلى ثلاثة أشياء. أولاً، أن يكون لديك منتج مفيد وقابل للتطبيق، وهذا هو جوهر التسويق والأعمال التجارية. ثمّ عليك جعل المنتج ذو جدوى وتصميم مناسب. وأمّا في يومنا هذا، لم يعد تقديم منتجات قابلة للتسويق ومصممة بشكل جيّد كافياً، فالمنتجات المجدية والجذابة التي تدفع المستخدمين إلى استعمالها مراراً وتكراراً تقتضي طرح السؤال التالي: "كيف يحوز المنتج رضى المستخدم؟ وكيف له أن يلبي احتياجاته بطريقة سلسة وواضحة؟ "

ولذا، يُعدّ التصميم في الثورة الصناعية الرابعة عنصراً بالغ الأهمية لتحقيق التميّز والتفرد في سوق شديدة التنافسية، حيث أن فهم ومعرفة مشاعر وآراء المستخدم حيال المنتج يلعب دوراً كبيراً في نجاحه.

 

تمتاز التطبيقات ذات التصميم الجيد بقدرتها على التنبؤ باحتياجات المستخدم، وعلى توفير تجربة سلسة ومُرضية للمستخدم. على سبيل المثال، لا يعتمد نجاح تطبيق "كريم" على خطة العمل أو القدرات الوظيفية فقط، بل لأنه يطرح أيضاً الأسئلة الصحيحة على المستخدم مثل "إلى أين تريد الذهاب؟". أي أنه يلبي حاجة المستخدم إلى الانتقال من مكان إلى آخر بكل كفاءة وفعالية، وذلك عبر واجهة بسيطة تتنبأ بالأسئلة قبل طرحها، ودون تكبيد المستخدم عناء التفكير في الحسابات المعقدة. فكل ما يريده المستخدم هو تحديد مكان السائق ومعرفة اسمه، وتقييمه، ونوع السيارة التي يقودها، ومعلومات التواصل معه، والوقت الذي يحتاج إليه للوصول إليه. أي أن الموضوع يدور بالدرجة الأولى حول مشاعر الراكب والثقة والتواصل. الأمر شبيه باختيار هاتف ذكي أو سيارة، إذ لا يتحقق أغلبنا من الدارات الكهربائية أو المكونات الميكانيكية تحت الغطاء، وإنما نفكر قبل كل شيء في التصميم الذي يعتبر صلة الوصل بين الإنسان والآلة، وكلما كانت هذه التجربة أكثر جاذبية، كان المنتج أفضل في عيون المستخدمين.

 

ومن هذا المنطلق، سيركز طلابنا في معهد دبي للتصميم والابتكار خلال الفصل الدراسي الحالي على جوانب التصميم وريادة الأعمال باستخدام هذه المنهجيات بهدف حل المشكلات. إذ نريد لطلابنا أن يتعلموا ربط التصميم بالاستراتيجيات والتكنولوجيا في مراحل مبكرة، بحيث تتطور هذه التقنيات والاستراتيجيات لتتكامل مع التصميم منذ البداية وعدم معاملة التصميم كمجرد شيء كمالي. وهذا أمر ملح، وخصوصاً في هذه الفترة التي تشهد طلباً غير مسبوق يفوق ما تستطيع الجامعات تعليمه على صعيد تحقيق التكامل بين الجوانب التكنولوجية والمعرفة الاستراتيجية والمهارات التصميمية. نحن نهدف إلى إزالة الفجوة بين هذه الجوانب ليغدو خريجونا رواداً في التغيير، مع تزويدهم بالأدوات والمعارف المتقدمة التي تواكب روح العصر.

 

دعونا في عام 2019 نضع التصميم في مقدمة أولوياتنا الابتكارية ونعمل على أَنْسَنَت التكنولوجياً.