أكد أحمد بن ركاض العامري رئيس هيئة الشارقة للكتاب المشاركة حالياً ضمن وفد دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الشارقة، في معرض نيودلهي الدولي للكتاب الذي يحتفي بالشارقة ضيف شرف دورته الـ 27، أن الاحتفاء العالمي بالشارقة عبر تكريمها في معارض الكتب الدولية واختيارها ضيف شرف، جاء نتيجة لعدة منجزات راكمتها الإمارة عبر مسيرتها الثقافية التاريخية والتي تعتبر جزءاً أصيلاً من مسيرة دولة الإمارات والعالم العربي بشكل عام.

مكانة ثقافية رفيعة لصاحب السمو حاكم الشارقة

وأشار العامري إلى أن أول هذه المنجزات تتمثل بالمكانة الثقافية العربية والعالمية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث استحق سموه مكانة رفيعة بين المفكرين والمؤرخين والباحثين عن حقائق التاريخ والساعين إلى إظهار الحقائق واستعادتها والتأسيس لمستقبل من العلاقات الشفافة بين مختلف الثقافات.

 

ونوه العامري إلى أن حالة البعد والفرقة التي تسود العلاقات بين بعض الأمم، تعود أسبابها إلى مراحل تاريخية  معينة، واعتبر أن تجاوز هذه الحالة التي تعزز التفكك والخلاف، يتم عبر تحقيق رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة التي تتمثل بإنصاف الحاضر عبر إنصاف التاريخ أولاً.

واستحضر العامري مقولة صاحب السمو  أثناء تقديمه لكتابه (بيان للمؤرخين الأماجد في براءة إبن ماجد) حيث اعتبر سموه أن الحقائق التي وردت في الكتاب أنصفت حاضر البرتغاليين كما أنصفت ماضي العرب، في إشارة إلى أن المستقبل يجب أن يُبنى على صفحات بيضاء ناصعة وليس على تلك التي تضررت من تاريخ مضى واندثر.

وأشار العامري إلى الرؤية التنموية المتكاملة لصاحب السمو والتي تستند لمشروع ثقافي علمي معرفي شامل، ليس على المستوى المحلي فقط، بل وعلى مستوى العالملفت العامري إلى اهتمام صاحب السمو بأدق تفاصيل هذا المشروع ومتابعته اليومية له.

 

وناشد العامري المثقفين العرب والأجانب أن يستلهموا من رؤية صاحب السمو وأن يوظفوا الإنتاج الفكري الإنساني في التأسيس لمستقبل مستقر يستند إلى الاحترام والتعاون.

الشارقة نافذة العلاقات الثقافية بين العالم والعرب

أما المنجز الثاني الذي تطرق إليه رئيس هيئة الشارقة للكتاب، فهو مخرجات المسيرة الثقافية للشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تتجلى بالمكانة التي حققتها الشارقة كمنارة وممثل للثقافة العربية، وحاضنة للمثقفين العرب، ومركز للمعرفة والحوار، مما جعل العالم يسعى بقوة لتعزيز العلاقات الثقافية معها لأنه بذلك يرسخ علاقاته مع جميع العالم العربي بدون استثناء.

وأشاد العامري بجهود كافة الجهات والمؤسسات والفعاليات في الإمارة التي ساهمت ولا تزال في صناعة منجزات الإمارة الثقافية، واعتبر أن الاحترام العالمي الكبير الذي تحظى به الشارقة اليوم، هو نتاج الجهود المشتركة والنوايا الصادقة لكل فرد ومؤسسة في الشارقة.

ولفت العامري إلى الاهتمام الداخلي من قبل القيادة الإماراتية والمؤسسة الرسمية بالقراءة وثقافة المواطنين والمقيمين، والذي تجلى بالنجاحات المتواصلة للمبادرات والفعاليات الثقافية في الدولة، وعلر رأسها معرض الشارقة الدولي للكتاب، الثالث على مستوى العالم، الذي مهد الطريق أمام المزيد من التكريم العالمي لمشروع الشارقة الثقافي.

النشر والترجمة آليات نقل الحضارة

أما المنجز الثالث بحسب العامري، فهو الواقع المتطور للترجمة والنشر في دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الشارقة، حيث اعتبر العامري أن اللغة تشكل أكبر العوائق التي تحول دون الوصول إلى ثقافات الشعوب الأخرى مما يجعل الثقافة بحاجة لترجمة تتجاوز مجرد اللغة لتكون بمثابة تجسير لهوة التفاهم والتعارف بين الشعوب.

وأشار العامري إلى أن المؤسسات والهيئات الثقافية في الشارقة والدولة تعمل وفقاً لقاعدة أن المترجمين لا يجب أن تقتصر خبراتهم على اللغة وقواعدها بل يجب أن يكونوا على دراية عميقة بالثقافات الأخرى وعادات الشعوب وطباعها وأمزجتها الفكرية حتى يسهل عليهم نقل القيمة والرسالة بواسطة اللغة والمعلومة والحكاية.

وشدد العامري على أهمية الاهتمام بالترجمة من وإلى اللغة العربية، وأشار إلى أن المرحلة الحالية هي مرحلة عولمة الثقافات وأن الثقافة التي لن تتمكن من تثبيت مكانتها على ساحة المعرفة العالمية ستتلاشى وتندثر تدريجياً، وقال العامري :"إن الوجدان الإنساني هو الأرضية الخصبة التي تنمو فيها الثقافات المختلفة، والثقافة التي تفشل في الوصول إلى عقول ووجدان البشر، لن تجد لها حاضنة ترعاها وتحفظها من الضياع".

ولتبيان أهمية الترجمة، اعتبر العامري أن الثقافة هي ناقلة الحضارة وطريقها نحو العالمية، وهذا لن يتحقق إلا من خلال ترجمتها للوصل إلى أكبر عدد من الناس، وأشار إلى أن الحضارات القديمة كالرومانية واليونانية والإغريقية انتشرت ووصلت إلى جميع أنحاء الأرض وشعوبها عبر الترجمة ونشر الكتب بين الناس.

مصداقية الإمارات في السعي لتبادل الثقافات

وتناول أحمد بن ركاض العامري المنجز الرابع والذي اعتبره في غاية الأهمية، وهو حالة التعايش والانسجام الكبير التي تحيا بهما أكثر من 200 جنسية تعيش وتعمل في دولة الإمارات، وأكد على أن هذه الحالة منحت للثقافة الإماراتية مصداقية عالمية كبيرة وبرهنت جدية روادها في سعيهم نحو بناء جسور التبادل الثقافي مع مختلف الثقافات، وقال إن التعايش على أرض الإمارات بين الجنسيات القادمة من مناخات ثقافية مختلفة دعم مكانة الشارقة الثقافية على الساحة العالمية وأثرى مخزونها المعرفي ، ونوه إلى أن الثقافة لا تنمو بشكل منفرد بل تتطور في سياق علاقتها التبادلية مع الثقافات الأخرى وفي إطار احترامها للتعددية كمبدأ عالمي أصيل.

وأشار العامري إلى أن أهمية مسألة التبادل الثقافي في تعزيز السلم والأمن الدوليين دفعت بالأمم المتحدة في العام 2002 إلى اعتبار 12 مايو من كل عام يوماً للتنوع الثقافي العالمي وللحوار بين الحضارات، والذي بات يعرف باسم " يوم الحوار الثقافي العالمي التابع للأمم المتحدة".

وقال العامري إن دور دولة الإمارات العربية المتحدة الثقافي والإنساني على المستوى الدولي والذي يبرز الوجه الأصيل والإيجابي للثقافة الوطنية، ينسجم بشكل تام مع مساعي الأمم المتحدة ويدعمها بشتى الطرق خاصةً فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة للعام 2030 والتي تحتل الثقافة والعلوم والمعارف رأس قائمة محركاتها ومسببات تطورها.

أما عن رؤية الشارقة حول مفهوم وشروط التبادل الثقافي الناجح بين الشعوب، قال العامري، ليست الغاية من السعي لاكتشاف ثقافة الآخر هي الفضول المعرفي فقط، أو تسجيل منجزات عددية من حيث الدول والمؤسسات التي لها علاقة ثقافية بالشارقة، بل هي فهم ثقافة الآخر وتفهم الاختلاف معه، واعتبار الاختلاف سنة حياة تثري المشهد الثقافي والفني والاقتصادي والتنموي الدولي، وتحقق التكامل بين مختلف الشعوب عبر مزج معارفها ومواهبها بعضها ببعض.

وأوضح العامري أن الحوار الذي يمكن أن يؤدي إلى هذه النتيجة يجب أن يستند إلى المحاور الأساسية التالية:

الاعتزاز بالهوية الوطنية شرط احترام هوية الآخر

أولاً: الاعتزاز بالهوية والثقافة الوطنية شرط أساسي لاحترام هوية وثقافة الآخر، فالغاية من الحوار الثقافي ليس إلغاء التنوع والاختلاف، بل استيعابه باعتباره حالة جمالية وضرورة حياة، فلولا الليل بسكونه وجماله ما كان النهار بتألقه وروعته،  ولولا أولئك الذين يحيون في أماكن بعيدة ومختلفة عنا لفقد الإنسان رغبته في الاكتشاف والتعلم، بل لأصبح العلم ثابتاً ومملاً لا يتطور، لأن التطور هو نتاج جدل حضاري بين مختلفين في إطار من الوعي بأهمية الآخر، والثقافة هي حصيلة بناء ذاتي مضاف إليه مكتسبات التفاعل مع الذوات الفردية والجماعية الآخرى.

الهوية الوطنية امتدادات إنسانية

ثانياً: الإقرار بأن الهوية الوطنية ممتدة ولها تشعباتها الإنسانية، وإذا فقدت هذه التشعبات تحجرت وفقدت قدرتها على البقاء. إن إدراك أهمية البعد الإنساني للهوية يمنحها الحق في أن تكون معترفاً بها ومحترمة ومقبولة من الهويات الآخرى، فهوياتنا اليوم ليست هي ذاتها قبل مئات السنين وإن كانت تحتفظ بما تناقلته من قيم وعادات، وهوياتنا غداً هي جوهر موروثنا بالإضافة إلى ما كسبناه من علاقتنا مع الآخر وما تعلمناه من تجربته.

مسؤولية مشتركة تجاه ما يجري في العالم

ثالثاً: التحلي بالمسؤولية المشتركة تجاه ما يجري في العالم اليوم من أحداث، فسمة هذه المرحلة عدم قدرة الحدود الطبيعية للدول على صد ما يجري على الساحة العالمية من أحداث اقتصادية وعلمية وثقافية، لذا يجب أن نبني علاقاتنا الثقافية مع الآخر على قاعدة أن الإنسانية أسرة واحدة تتشارك التأثر بالأحداث سلبها وإيجابها.

رابعاً: أن  نستند في علاقاتنا الثقافية على مبادىء إنسانية مشتركة تضع توصيفاً عادلاً للحقوق والحريات وسبل التعاون بين الشعوب والدول وآليات التناغم في المساعي نحو تحقيق التنمية بكافة أشكالها.

حماية الموروث الإنساني المادي والمعنوي

خامساً: أن تدرك كافة أطراف العلاقة أهمية حماية الموروث الإنساني المادي والمعنوي، وأن تعمل على صيانته داخل حدودها التي تتمتع فيها بالصلاحيات، وأن تعتبر الموروث الثقافي ملكاً للجميع بغض النظر عن جذوره وارتباطه بشعب دون غيره لأنه الدليل على ما كنا عليه وكيف تطورنا، وبوصلة ترشدنا إلى أين نحن ذاهبون.

 

 

تحويل التبادل الثقافي إلى مفهوم اجتماعي

سادساً: أن يعمل كافة أطراف العلاقة على تطوير مفهوم التبادل الثقافي والحوار الحضاري بين مختلف الشعوب لدى المجتمعات التي تنشط فيها، وأن تستحدث آليات ووسائل تعليمية فعالة لتعميم مفهوم العلاقات الثقافية العادلة حتى لا يبقى مفهوماً نخبوياً ومهدداً بالغياب، وأن تعمل على غرس احترام الثقافات الأخرى خصوصاً لدى الشباب الذين باتوا يشكلون اليوم مجتمعاً قائماً بذاته بفعل وسائل التواصل الاجتماعي.

الثقافة محرك الاقتصاد

سابعاً: أن يكون التبادل الثقافي محركاً للعلاقات الاقتصادية ومؤثراً على مسارها ومحفزاً لعدالتها ونزاهتها التي تحفظ حقوق البشر وتضمن لهم العيش السليم. فإذا اقتصر تأثير العلاقات الثقافية بين الحضارات المختلفة على ساحة الإنتاج الأدبي والفكري، ولم تمتد لتشمل كافة نواحي الحياة، ستبقى مهددة ومحاطة بمخاطر لا يمكن التنبؤ بها.