هبطتّ جِلّقَ لأول مرة في عام 1975. كنتُ أبحث عن فرصة للدراسة الجامعية بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة وتخرجي من المدرسة الصلاحية في نابلس. شملت جولة البحث عمّان وبغداد أيضاً، فلم يكن هناك جامعات فلسطينية في ذلك الوقت. وانتهى بي المطاف في الجامعة الأردنية، التي عشت فيها أجمل سنيّ عمري، وتخرجت منها في السنة الأخيرة من العقد الثامن للقرن العشرين.

دمشق مدينة تحبها منذ أن تطأها قدماك. ولست هنا في مجال سرد مميزات الشام، الإنسانية قبل الطبيعية والمعمارية. ولكن لي أسباب إضافية في حب الفيحاء. كيف لا ومدينتي نابلس تشبهها وتسمى "دمشق الصغرى"؟ كما أن أحد أبواب البلدة القديمة لزهرة المدائن، وهو باب العمود، يسمى "باب دمشق" أو "باب نابلس" أو "البوابة الشمالية"!

تجولت في شوارع دمشق وأحيائها.. المرجة، الصالحية، المزرعة، أبو رمانة، باب توما، القلعة وغيرها. رأيت حافلات ملأى بالناس مكتوب عليها أحياء المدينة وضواحيها، أذكر منها المالكي، البرامكة، القصاع المهاجرين، دمر، الهامة وغيرها.

زرت "قصر العظم"، الذي يعد نموذجاً للمعمار الشامي القديم، بحجارته الملونة وأقسامه العديدة وحدائقه الداخلية ونوافير الماء وقاعاته المميزة الرائعة. ويضم القصر، الذي تحوّل إلى متحف، 15 قاعة تعرض أبرز ما يتعلق بتاريخ سوريا القديم والحديث، وفيها دمى تمثيلية تحاكي وتجسد ما كان عليه الماضي من تقاليد الضيافة والأفراح ومختلف المناسبات عند العائلات الشامية. ومن أبرز مقتنيات المتحف التي أثارت اهتمامي، القرآن الكريم مكتوباً بكامله على غلاف بيضة، وقصيدة مديح منقوشة على حبة قمح موضوعةً تحت عدسة مكبّرة! قرأتها كاملةً، ولا أزال أذكر البيت الأخير من تلك القصيدة: في حبّة القمح سطّرتُ المديحَ له/ إذ حبّة القمح فاقت قيمة الذهبِ.

أحببت كثيراً "سوق الحميدية"، الذي ربما أقيم سوق "خان التجار" في نابلس على غراره ونسخة مصغّرة عنه. ويتفرع من الحميدية أسواق كثيرة، منها سوق السروجية، البزورية، الصاغة، الحرير، العرائس، القباقبية، سوق الخياطين وغيرها. وينتهي سوق الحميدية عند بوابة معبد جوبيتر الدمشقي وأعمدته الباسقة، ومنه إلى الساحة أمام الجامع الأموي في قلب المدينة القديمة.

كانت حوانيت الحميدية ملأى بمختلف البضائع والمنتجات، وجميعها صناعة وطنية صرفة. وقد شدّني سوق القباقبية، ومعروضاته من القباقيب بتشكيلاتها المختلفة، للنساء والرجال والأولاد، وللزينة أيضاً. فقد كان مسلسل "صح النوم" الشهير لا يزال حاضراً في الأذهان وقتذاك.

عدتُ إلى "مدينة الياسمين" مطلع القرن الحالي، بعد غياب أكثر من ربع قرن، وبي شوق ولهفة للقاء بعد طول غياب، ولم تخيّب دمشقُ ظني بأجوائها وناسها. كانت مهمة عمل هذه المرة، تعرفت فيها على أشخاص أصبحوا أصدقاء أعزاء. وبعد لقاء سريع معهم، ثارت بينهم خلافات حادة أيهم سيستضيفني على العشاء في الليلة الأولى، لأن ليلتي الثانية كانت تتضمن دعوتهم جميعاً على حفل عشاء. وبعد ان "فاز" أحدهم  بدعوتي على العشاء، بدأ في إقناع الآخرين بالإنضمام إلينا.

جاء الصديق إلى الفندق مساءً لاصطحابي إلى المطعم. دخلنا دمشق القديمة بحاراتها وزواريبها وأسواقها. مررنا من سوق الشعلان، الذي يطلق عليه أهل الشام "سوق التنابل"، وواصلنا المسير وبدأت أسمع عزف عود ورقّ، إلى أن ولجنا بوابةً خلتها لبيت، وسرنا عبر صحن الدار الذي تتوسطه "بحرة"، أي بركة ماء، تتلألأ بالأنوار وتنبثق منها نافورة، تماماً كما تظهر البيوت الشامية في المسلسلات التلفزيونية.. هذا هو المطعم، بيت شامي عريق من ثلاثة أدوار. كان يجلس حول "البحرة" عازف عود وضارب رق، والندل يروحون جيئةً وذهاباً حاملين طلبات الرواد من المشروبات والمأكولات، التي بدأت روائحها الزكية تداعب أنوفنا. ثم صعدنا الدرج الحجري الحلزوني إلى الدور الأول، فالثاني وجلسنا على المنضدة المحجوزة لنا. وبدأت الأطباق تترى على الطاولة من كل شكل ولون. كان أطيب طعام يمكن للمرء أن يتذوقه، سواءً المقبلات أم المشويات والحلويات، وكلها خيرات شامية خالصة طازجة ليس فيها من المستورد شيء.

اليوم التالي كان جمعة. ترددتُ في الخروج من الفندق. ففي الفتاوى "ليس على المسافر جمعة". لكنني تغلبت على ترددي في النهاية وانطلقت قاصداً المسجد الأموي.

مررت بسوق الحميدية، الذي كانت محلاته مغلقة كالعادة في يوم الجمعة. لا بد من عودة (طبعاً!) إلى هذا السوق في اليوم التالي، فبوظة بكداش لا تفوّت! بدأت أرى الناس زرافات ووحداناً يسيرون في ذات الاتجاه. كهول، شبان، أطفال برفقة آبائهم أو إخوانهم الكبار، بكامل أناقتهم، بعضهم يرتدي ثياباً تقليدية مزركشة كأنه ذاهب إلى حفل. وكلما قصرت المسافة المتبقية إلى المسجد، كان الحشد المتحرك يتضخم ويربو، على الرغم من أن وقت صلاة الجمعة كان لا يزال مبكراً. لاحت لي مآذن المسجد، وأشهرها "مئذنة العروس" المربّعة، التي يُعتقد أنها أول مئذنة شيّدت في الإسلام، ومن هناك انتشر هذا الطراز في عمارة المساجد إلى سائر أنحاء بلاد الشام وشمال أفريقيا، وصولاً إلى الأندلس.

ولجتُ البوابة وسط الجموع. صحن المسجد الواسع يعج بالزوار. اتجهت رأساً إلى أقرب أبواب الرواق. صليت ركعتي تحية المسجد، وجلست أتأمل الزخارف على الجدران بجميع أنواعها، القيشاني والعجمي والمشقف والمعشق والتيجان الكورونثية، والرسومات النباتية الملونة والآيات القرآنية في السقف. حولي أناس جلوسٌ، بعضهم يستند إلى الأعمدة أو الجدران، البعض يصلي وآخرون يحملون المصاحف ويقرأون بأصوات خفيضة. رجل معمم يجلس على مقعد ويتحلق حوله جمع من الناس يطرحون عليه بعض الأسئلة ويرد عليها. بدأ المسجد يغص بالمصلين، إلى أن حان موعد أذان ظهر الجمعة.

وقف جمع من الرجال بزي تقليدي موحد أمام مكبرات الصوت، وصدحوا بالأذان في صوت واحد. كانت تلك أول مرة في حياتي أرى الأذان يرفعه عدة رجال بدلاً من واحد كما جرت العادة! قام الناس بعد ذلك لأداء ركعتي السنّة القبلية.

بدأ أحد المؤذنين يتلو آيات من الذكر الحكيم بصوت رخيم عذب. ولم يلبث خطيب الجمعة أن وصل يسير بتؤدة أمام الصف الأول من المصلين، يتقدمه رجل شاهراً سيفاً بيده، إلى أن وقف أمام درجات المنبر. تسلم الخطيب السيف، واعتلى المنبر، جلس في الأعلى، في حين استقر الرجل الآخر وسط درجات المنبر.

رفع المؤذنون الأذان الثاني، ولاحظت أن بعضهم ليس ممن كان في مجموعة الأذان الأول. وقف بعدها خطيب الجمعة متكئاً على السيف. كان أستاذاً جامعياً، وكان العام الدراسي على الأبواب، فتركزت الخطبة على تربية وتعليم النشء واحترام المعلم.

اختتمت الخطبة، وأقام الصلاة أيضأً مجموعة من المؤذنين. وبعد أن انتهينا، توجهت إلى خطيب الجمعة، الذي تحلق حولة المصلون يصافحونه، وانتظرت حتى انفض الجمع تقريباً، فسلّمت عليه، وأخبرته أنني من مدينة نابلس، فشدّ على يدي، ودعا لي ولأهل فلسطين.

قلت: يا دكتور، لدي سؤالان عن أمرين أثارا فضولي. قال: هات الأول. سألت: لماذا يقوم عدة رجال برفع الأذان بدلاً من واحد كما جرت العادة في كل مكان؟

أجابني أن ذلك عائد إلى ضخامة واتساع المسجد والصحن. فقبل دخول مكبرات الصوت، كان عدة مؤذنين يعتلون المنائر الثلاثة وسطح المسجد، وينطلق الآذان موحداً في وقت واحد لكي يسمعه الدمشقيون في كل أرجاء المدينة.

حسناً يا دكتور.. وماذا عن السيف؟

يا بني، عندما كانت دمشق محاصرةً من قبل التتار، وقف والي المدينة خطيباً على منبر هذا المسجد متكئاً على سيفه لكي يرفع الروح المعنوية للناس المحاصرين.. انهزم التتار، بل أسلموا في دمشق، وجاءت بعدهم عهود وعهود وبقي المسجد، وبقي هذا التقليد متوارثاً حتى يومنا هذا.

كم أشتاق إليك يا دمشق، وكم أشتاق إلى جمعة أخرى في مسجدك الأموي الكبير.

 

* جِلّقْ والفيحاء والشام، كلها أسماء لدمشق. وهناك أكثر من عشرة اسماء أخرى غير شائعة للمدينة.