لا أذكر أنني رقصت في حياتي ولو لمرة واحدة، فأنا من جيل يرى في رقص الرجل انتقاصاً من هيبته، عدا عن ثقافة العيب التي تربينا عليها، ومراقبة الناس وتعليقاتهم التي غالباً ما تكون ساخرةً وجارحةً.

ومع ذلك، لا أنكر أنني لطالما أحببت الدبكة، وتمنيت أن أتقنها، لكن الوقت فات، ولا مجال الآن بعد أن وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً.

أول مرة دُعيت فيها إلى الرقص كانت خلال حفل زفافي قبل كذا وكذا سنة! (لا تسألوني عن الرقم بالتحديد). عُزفت الموسيقا وابتدأ الغناء، وتقدمت قريباتي وقريبات العروس وصديقاتها إلى الحلبة راقصاتٍ على أنغام الفرقة الموسيقية. وبدأ "المطرب" ينتقل من أغنية إلى أخرى حسب برنامجه تارةً، وبناءً على ما تطلبه الفتيات الراقصات من أغان حديثة في تلك الأيام تارةً أخرى، ومنها أغنية "بدنا نتجوز على العيد"!

وخلال فاصل استراحة قصيرة، اقترب "المطرب" مني هامساً: "هل تُريد أن أرقّصك"؟ فأشرت إليه بيدي مستنكراً ناهراً.. إلعب بعيد!

لم يُتح لي طوال عمري حضور الكثير من مناسبات الأفراح نظراً لطبيعة عملي الليلي في مقتبل حياتي العملية لأكثر من 16 عاماً. وكان الفصل بين الجنسين قانون معظم المناسبات القليلة التي حضرتها، لذا فإن الرقص لم يكن ضمن البرنامج المقرر، ناهيك عن إحراجاته. لكن مسيرة حياتي لم تخل من احتفالات كان الرقص فيها يشكل الفقرة الرئيسة التي ينتظرها الجميع.

كان الناس يترددون عندما يأتي أوان الرقص. لكن ما أن يتجرأ أحدهم ويسحب مرافقته (أو تسحب مرافقها) ويبدآن الرقص، حتى يتشجع البعض وينضم إلى الحلبة. قلة من الأزواج (أزواج الرقص) تواصل الأداء وتبلي بلاءً حسناً، وتنتقل من الرقص الهادئ إلى الصاخب، ثم إلى ما بين بين، في حين تكتفي الأكثرية بوَصلةٍ واحدةٍ. لكن نسبة الراقصين  لم تكن تتجاوز ربع الحضور في أفضل الأحوال.

في إحدى المناسبات، وكان الحفل في فيينا، بلد موزارت والسمفونيات ورقص الفالس والدانوب الأزرق وليالي الأنس، ما أن دعا قائد الفرقة الموسيقية المحتفلين إلى الرقص، حتى هب الجميع وقوفاً من مقاعدهم، وضاقت بهم حلبة الرقص، إلى الحد الذي أصبح معظمهم يرقص بجانب طاولته، ولم يبق جلوساً سوى أنا والمرافقين من الإعلاميين!

وتكرر مشهد فيينا في سياتل أيضاً، لكن نسبة الراقصين لم تتجاوز الخمسين في المائة، في حين كان حفل العاصمة النمساوية الأول من دون منازع، حيث زادت نسبة المشاركين على 90% من الحضور، الذين واصلوا الرقص بهمّة وإخلاص ومن دون انقطاع إلى ما بعد انتصاف الليل بكثير!

جاءت أول مشاركة للأرجنتين في معرض للسياحة والسفر يقام سنوياً في دبي منذ أكثر من 25 عاماً، وذلك في أعقاب افتتاح خط جوي بين دبي وبوينس آيرس. كانت مشاركة واسعةً شملت وفوداً أرجنتينية في مختلف المجالات. واستعان القائمون على الجناح الأرجنتيني بنا لدعوة إعلاميين محليين لحضور حفل عشاء على شرف الوفد الزائر. وألقيت على عاتقي مهمة دعوة الصحافيين العرب.

قرأت في بطاقة الدعوة أن راقصي تانغو محترفين سيؤدون فقرات خلال الحفل الذي سيقام في أحد فنادق النجوم الخمس. دعوت تسعة صحافيين، كنت أنا العاشر وجلسنا على طاولة خُصصت لنا. بدأ تقديم العشاء، وكلما كان يتم الانتهاء من طبق ينتشر الراقصون أزواجاً بين الطاولات مؤدين وصلةً من رقص التانغو، الذي يتطلب مهارات ولياقة بدنية عالية من الراقصة وشريكها.

قبل ختام الحفل، صدحت الموسيقى. وفي هذه المرة، انتشر الراقصون والراقصات فُرادى في أرجاء الصالة الفسيحة، ولم انتبه إلا ويد تجذبني من مقعدي، وأصبحت مكبلأً في أحضان راقصة أرجنتينية وسط الصالة، قبل ان أعرف ماهية اللعبة!

فقد اختار الراقصون فتيات من الحضور، واختارت الراقصات شباناً، وربما اعتبرتني شريكتي شاباً (!!)، فقد اختارتني من المنطقة المحددة لها، التي يجلس فيها نحو خمسين شخصا ًعلى أكثر من 10 طاولات، كان معظمهم أكثر وسامةً من طلعتي البهية!

طبعاً، أنتم تعرفون الآن أن مهارتي في الرقص هي كمعرفتي باللغة السنسكريتية، أو الفن السريالي أجاركم الله، فما بالكم بالتانغو؟

استسلمت لقدري. وأصبحت الفتاة، التي منحها الله الطول والصحة، تتقاذفني يميناً ويساراً، وتُطوّح بي بكل قوة، تارةً تقربني منها وتضمني إليها، وأخرى تدفعني بعيداً عنها وهي متشبثةٌ بيدي، حتى أظن أن كتفي ستنخلع من مكانها أو أنني سوف أصطدم بأحد الحضور أو بإحدى الطاولات، وأنا لا أدري ماذا أفعل.. كل ما سمعته منها وسط الضجة وهتافات الزملاء الشقية هو عبارة "استرخ، ولا تقاومني"!

على الجانب الآخر، هب جميع الزملاء الصحافيين (..) المرافقين لي شاهرين موبايلاتهم لالتقاط صور للعبد الفقير إلى الله وهو في وسط هذه المحنة. فقد سمع البعض منهم بالتحدي الذي طرحه مدير دائرتنا منذ مدة بأن من يأتي بصورة لي وأنا أمارس الرقص بصحبة فتاة، فله تذكرتا سفر مجاناً إلى أي وجهة يختارها!

بعد لحظات خلتها دهراً، أطلقت الراقصة سراحي، بعد ان نفحتني قبلة وهي تقول Well done! شكرتها متلعثماً، وعدت إلى طاولتي، وألقيت بنفسي على الكرسي منهكاً مرتبكاً أتصبب عرقاً، وسط تعليقات شقية من الزملاء، الذين بدأوا في استعراض موبايلاتهم علّ أحدهم يسبق إلى إرسال الصورة إلى مدير دائرتنا ليفوز بالتذكرتين. قلت في نفسي: لا بد أن أحدهم سيكسب الرهان هذه المرة. لكنني لم ألبث أن بدأت أسمع صيحات الخسارة والخيبة، واحدةً بعد الأخرى، وبدأ الجميع يتبادلون موبايلاتهم ويستعرضون جميع صور الواقعة التي التقطوها، لكن وجهي، ولحسن حظي، لم يظهر في أي واحدة منها على الإطلاق!

شكراً لك أيتها الراقصة الأرجنتينية التي لم أعرف اسمك، فقد طَوّحْتِ بي جيداً، وبسرعةٍ فاقت عدسات التصوير!