بتتبع تاريخ الإنشاد في الحضارات القديمة، ورصد مراحل وأشكال تطوره، نكتشف أن الإنشاد فن انطلق من مصر القديمة، حيث كان تعبيراً روحياً عن العبادة والطقوس الدينية، ثم انتقل إلى الأقباط وظهر ما يعرف بالإنشاد القبطي الذي أسس للفنون الموسيقية في تلك المرحلة.
 

وعندما جاء الإسلام، مُنح الإنشاد سموه وأسهم في ترجمة مشاعر المسلمين والتعبير عن القيم والأخلاق والعلاقات الاجتماعية التي يجسدها الدين الإسلامي، فظهر المديح النبوي الذي حوّل قصائد حسان بن ثابت، شاعر الرسول -عليه السلام- إلى أناشيد يؤديها الصحابة في مجالسهم وأثناء ممارسة أعمالهم اليومية، ومثلما شكل الإنشاد جزءاً من المشهد الحضاري والثقافي للأمم، كذلك كان شاهداً على تطور الحضارة الإسلامية، ومكمّلاً لفنونها كالهندسة والخط والعمران، ومواكباً لها في مراحلها المتتابعة من العصر الأموي إلى العباسي والفاطمي.
 

وكدليل على مكانة الفن في الحضارة الإسلامية، دخل الإنشاد ضمن النظم التعليمية في تلك المرحلة، والشواهد على القيمة الفنية الكبيرة للإنشاد كثيرة، ليس أقلها ألفية ابن مالك، التي تعتبر من أهم المنظومات اللغوية، حيث جمع فيها خلاصة علمَي النحو والصرف في لغة غنائية وقورة يسهل فهمها.
 

إن الإنشاد كغيره من الفنون الهادفة، يستجيب لحاجة طبيعية عند كل فرد، وهي الحاجة إلى التعبير عن الوجدان والمشاعر والحديث عن الخير والحق والعدالة، هذه الحاجة التي لا يمكن تجاوزها، كما لا يمكن إشباعها بغير الفنون.
 

ولم تكن لهذه القيم العظيمة التي ينطوي عليها فن الإنشاد، ومحمولاته الدينية والثقافة والاجتماعية العريقة، أن تغيب عن مؤسستنا الإعلامية في شارقة الثقافة، حيث أطلقنا عام 2007 برنامج "منشد الشارقة"، لنؤكد على دورنا في رفد المجال الثقافي والفني الهادف، وتعزيز المشهد الحضاري والثقافي للإمارة، ببرنامج فني إبداعي يحمل حواراً إنسانياً نبيلاً، ويفتح الأبواب على الحضارات الأخرى.
 

ومنذ انطلاقه بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، غدا البرنامج حلماً للكثير من الطاقات الإبداعية، التي تمتلك موهبة الإنشاد، وتعشق الفن الهادف، لا سيما أنه يشمل منشدين من مختلف أنحاء العالم، ويتحول إلى منجم ثقافي ينقل مدى اهتمام إمارة الشارقة بتشجيع الأجيال الجديدة والموهوبة على احتراف فن الإنشاد، والارتقاء به.
 

وبالعودة إلى إنجازاته خلال السنوات القليلة الماضية نجد أن منشد الشارقة فتح أمام كل موهبة عربية شاركت في البرنامج نافذة للاحتراف والانضمام إلى قائمة المنشدين المعروفين الذين خلدوا هذا الفن الأصيل، أمثال الشيخ طه الفشني، والنقشبندي، والأطروني، والشيخ عبد الرحمن درويش وأحمد الزارعي وعبد الرحمن العويس وغيرهم من الأسماء التي انتصرت لهذا الفن الأصيل وحفظته للأجيال القادمة.
 

واليوم يواصل برنامج "منشد الشارقة" وعبر شاشة قناة الشارقة، تقديم رسالته التي تحمل روح المحبة، وقيم السلام، ليعزز مكانته الفنية والثقافية في الصرح الأدبي الكبير، الذي يشكل الملامح الرئيسة في عاصمة الثقافة، وعاصمة الكتاب، وليثبت أن الفن مكوّن أصيل من الثقافة الإسلامية والعربية.