كثيراً ما نقبل على أمور في حياتنا ندرك أنها متعبة إلا أن لذتها عالية ..كأن نمارس الرياضة القاسية أو نحرم أنفسنا من أطعمة معينة لنصل إلى وزنٍ مثالي..وهي نفس اللذة المتعبة حينما نسافر لساعات طويلة مثلاً في سبيل الترفيه واكتشاف شيء جديد..هكذا هو طلب العلم.
إن قلبنا في صفحات التاريخ لوجدنا أن أشهر المفكرين والمثقفين والمؤثرين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه وهم جالسون في أماكنهم مرفهين منعمين..بل تجرعوا كؤوس الصبر ومشقة الأسفار الطويلة..قاطعين الصحاري سيراً على الأقدام..تاركين خلفهم البنين والمال..مكرسين أذهانهم وأنفسهم لغاية العلم السامية..غارقين في الكتب والمخطوطات،مستأثرين مجالسة العلماء على النوم والراحة..هكذا صاروا ما هم عليه.
قال ابن الجوزي : "لقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبى آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت اللقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم".
اليوم مئات الملايين تصرف لإنشاء أكبر الجامعات ومدها بالكوادر التدريسية المستقطبة من أمهات المعاهد والجامعات العالمية..والمكتبات تفتح واحدة تلو الأخرى مزودة بشتى كتب العلوم والمعارف والفكر..منح وبعثات دراسية تدعمها الدول وقيادات تشجع على البحوث العلمية بتخصيص امتيازات لطالبيها عبر مبادرات علمية وجوائز مادية مجزية لأنها تؤمن بأن بناء العقول أهم من الخرسانات والأبراج الشاهقة..ومقابلها كم من العلماء والباحثين  الجادين خرجهم هذا العصر؟! 
استغرب حينما أسمع البعض ممن يقول "لن أكمل دراستي العليا،فالعلاوة التي تقدم لحملة الماجستير والدكتوراة في الدوائر لا تستحق عناء العلم ومشقته!!"..
أوصلنا إلى مرحلة نربط فيها العلم بالمال ،ونساوي شمس تغذية الفكر بمقدار ما يملىء الجيب؟!
ويأتي آخرون ليقولوا "أمامنا متسع من الوقت ولا زلنا في مقتبل العمر .."وهم يرفعون شعارات طه حسين وهو ذلك الصبي الأعمى الذي ظهر نبوغه مع حفظه القرآن الكريم ولم يتم التاسعة من عمره و حفظ «ألفية بن مالك» في عشرة أيام فقط ، بينما التحق بالأزهر وهو ابن الثالثة عشرة عاماً ونال شهادتين جامعيتين من مصر وفرنسا..أما زلنا نقول لا نستطيع؟!
وقد قالها الإمام الشافعي :
تغرب عن الأوطان في طلب العلا***وسافر ففي الأسفار خمس فوائد..
تفريج هـــــــــم واكتساب معيشة***وعلم وآداب وصحبة ماجـــــــــد..
مقال في صحيفة الرؤية الإماراتية