الملخص:  يمكن للتحوّلات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيق أو تسرّع الوصول إلى مرحلة الركود المقبلة - لكنها عاجزة عن الحيلولة دونها.

جافى النعاس عيون المستثمرين عشيّة الإعلان عن نتائج انتخابات منتصف الولاية الرئاسية الأمريكية التي لم يدّخر الديمقراطيون جهداً للفوز فيها، ونجحوا اليوم بانتزاع السيطرة على مجلس النواب. ومن شأن هذه النتيجة فرض حالة من الجمود السياسي تكبّل الحكومة. ولكن، هل ستُحدث هذه النتائج أي تغيير في مسار الدورة الاقتصادية للسوق المالية؟ إنه أمرٌ مستبعد. 
 
وبغض النظر عن هذه النتائج، تشير الوقائع إلى أن الدورة الاقتصادية المتأخرة قد بدأت فعلاً، ولن يكون بمقدور السياسة الأمريكية إلا إعاقة أو تسريع وتيرة الوصول إلى مرحلة الركود المقبلة. 
 
وفي ظل هيمنة الديمقراطيين على مجلس النواب، والتفوّق الجمهوري في مجلس الشيوخ، سنرى واشنطن مكبّلة اليدين. ومن المستبعد أن ينجح الجمهوريون بتمرير مقترحاتهم المالية؛ ومن غير المرجّح أن تتغير خطة الإنفاق الحالية للكونجرس خلال السنة المقبلة. ومن المتوقع أن يتجه الاقتصاد نحو التباطؤ جراء غياب المحفزات المالية، وسيتواصل التلويح بإمكانية رفع دعوى قضائية على خلفية التحقيقات بشأن ثروة الرئيس ترامب. ولن يكون أمام ترامب أي خيار آخر سوى التركيز على السياسة الخارجية للبلاد، ومواصلة توسيع الرسوم الجمركية في ظل تصاعد مخاطر الحرب التجارية. 
 
وسينجم عن ذلك عواقب وخيمة على منحنى العائدات الأمريكية، والأسواق ككل. وفيما قد لا تستدعي الضرورة استمرار المسار المتشدد الذي انتهجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي حتى وقت قريب، وفي الوقت الذي يرجّح أن يتجه جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، نحو إبطاء وتيرة ارتفاع أسعار الفائدة في عام 2019، يمكن أن تخضع العائدات لتأثيرات سلبية كبيرة على المدى الطويل جراء تفاقم الحرب التجارية. وهذا يعني أننا سنشهد انحداراً واضحاً في منحنى العائدات خلال الشهرين المقبلين، بينما يمكن أن يتراجع القسم الأقصر من المنحنى بشكل أسرع مقارنة بالجزء الطويل، والذي سيرتفع بدوره نتيجة للقيود التي ستخضع لها العائدات على المدى الطويل جراء حالة عدم اليقين التجاري.

وستستمر حالة التدهور البطيء التي تشهدها الائتمانات في الوقت الراهن. وبحلول نهاية العام المقبل وبداية عام 2020، يمكن أن نبدأ برؤية إعادة تسعير جديّة لهوامش الائتمان ترخي بظلال تأثيراتها على تقييمات الأسهم. 
 
ونشهد حالياً أول بوادر الضيق في مجال الائتمانات، إذ أغلق مؤشر أداء القروض الممولة بنتائج سلبية الشهر الماضي في أول حادثة من نوعها منذ أغسطس 2017. وبالرغم من أننا نتحدث عن خسائر لم تتجاوز 0.03% وفق مؤشر S&P/LSTA للعائدات الإجمالية، قام المستثمرون بتحصيل مبلغ كبير من صناديق القروض الممولة بناء على المخاوف من بداية تحرك أكبر.

ووقعت ساحة القروض المدعومة تحت وطأة تدقيق متزايد خلال السنوات القليلة الماضية، حيث استفادت الشركات من البيئة ذات معدلات الفائدة المنخفضة، وشهية المستثمرين للائتمانات ذات العوائد المرتفعة لاقتراض المزيد والمزيد من الأموال. ومع ازدياد تشدد شروط الائتمان، يتوقع الكثيرون إمكانية الإيقاف المفاجئ لبعض القروض، مما يشكل الصفعة الأولى للوضع الهش الذي بدأ بالتفاقم منذ الأزمة المالية في عام 2008. 
 
إنه أمر منطقي، ولكن تجدر الإشارة إلى أن تحديد الفقاعات لا يتم في نفس توقيت انفجارها. وبالرغم من منطقية تفضيل النوعية على العائد، ربما ما زال الوقت مبكراً لسحب الأدوات ذات العوائد المرتفعة، فالسوق ما زالت مدعومة بأسس قوية.  
 
وبغض النظر عن نتائج انتخابات منتصف الولاية الرئاسية، نعتقد أن المجال الائتماني الأمريكي سيواصل الحصول على الدعم خلال الأعوام القليلة المقبلة. وبالتزامن مع عودة الأمور إلى طبيعتها المستقرة بعد التصويت، سيحظى المستثمرون بقدر وافر من الفرص المعنية بأماكن توظيف أموالهم. 
وسنواصل تقييم الشركات الأمريكية قياساً بسندات الخزانة. ربما يكون انحدار منحنى العائدات مؤلماً لحاملي سندات الخزينة المستحقة لأمد طويل، بينما يتسم الاتجاه التصاعدي لحيازة سندات الخزينة على المدى القصير بمحدوديته التي تعود لإمكانية اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لرفع نسبة الفائدة في النصف الأول من عام 2019 بالرغم من الموقف العام الأقل تشدداً. 
 
ويتضح هنا سبب أهمية الدور الذي تلعبه الشركات في بيئة اقتصادية قوية وسط سياسات غير مؤكدة. 
 
وفيما يعيد منحنى العائدات الأمريكية تقييم الأسعار، ستبقى العوامل الاقتصادية الرئيسية قوية خلال الأشهر الـ 18 المقبلة، مما يدعم تقييمات الشركات ذات المستوى الرفيع. ونعتقد أن الجزء الأقصر من المنحنى في مجال الشركات الأمريكية المرموقة يوفر فرصاً مثيرة للاهتمام في وقت عصيب؛ نحن بشكل خاص نفضل الشركات ذات التصنيف BBB في القطاعات الدفاعية.

ولا نتوقع أي تغير كبير في جوهر مجلس الاحتياطي الفيدرالي قريباً. ومن وجهة نظرنا، ربما سيقوم باول بتكرار التصريحات السابقة ريثما تتضح ملامح المشهد السياسي خلال الشهور القليلة المقبلة. وهذا من شأنه أن يترك للمستثمرين حيزاً كبيراً لتعزيز مكانتهم على النحو الذي يريدونه، دون أن ننسى أن جودة الائتمان تتجه سريعاً للتحول إلى أولوية رئيسية.