وى لي أحد الأصدقاء في الأردن قصة قد تستحق أن تروى ، تجسد حالة بعض المديريات والمؤسسات الحكومية في بلدنا : كيف تعمل ، وما هي قواعدها ومرتكزاتها خاصة إذا تعلق الأمر بمشاريع جديدة تخدم الصالح العام .

القصة لا تتعلق بقرار رفع الرسوم على السيارات المستعملة وتقصير عمرها وبأثر رجعي، ولا بوصول كيلو البندورة قبل أيام إلى دينار كما أخبرني الصديق المذكور ، ولا بالتسعة دنانير التي تقتطعها الحكومة على فواتير المياه تحت مسمى " المبلغ الثابت " .. ( أي أن كل مواطن يدفع التسعة دنانير هذه عند كل فاتورة ، حتى لو كان مسافرا تلك الفترة ولم يستهلك كوب ماء واحد ) ولا الرسوم الإضافية على فواتير الكهرباء ، أو مفاجآت لم تخطر على بال ، من مثل تسعير العصائر بناء على " الذوق " .. وهذه الأخيرة لها قصة أخرى ، لخصها لي بقوله : بأنك وإذا ما راودتك نفسك لشراء نوع من العصائر في عمان أو في أي محافظة أخرى ، فإن عليك التعرف على ذوق ضريبة المبيعات وليس على ذوقك أنت أو ذوق امرأتك أو أبنائك ، فمثلا ، إذا رغبت بشراء عصير برتقال طازح ، فإن سعره في بعض الأنواع هو دينار وربع الدينار ، وعندما تشتري عصير رمان مثلا ، ومن نفس الشركة المنتجة ، فإن سعره هنا يختلف ، لماذا ؟ لأن البائع سيخبرك حينها أن ضريبة المبيعات أبلغتهم بأن الرمان من نفس النوع أغلى سعرا لكونه : أعلى درجة " أو "ألذ " طعما ، وعلى القارئ الكريم أن يجرب بنفسه ، ليرى بأن أسعار العصائر ومن نفس الشركة التي يتعامل معها ، تختلف من نكهة لنكهة ، ومن ذوق لذوق وهكذا دواليك ، لتصل الإرتفاعات بما يفوق أحيانا دينارا كاملا وفق ما قال ، وكله بسبب ذوق ضريبة المبيعات ، لا ذوق المواطن الراغب بالشراء .

ويبدو أنني شردت بكم قليلا عن محور حديثي هنا ، ولكن ، ولكي لا أطيل عليكم أرغب في أن تستمعوا إلى هذه القصة الحقيقية التي رواها لي نفس الشخص الذي تسنم موقعا في نفس المكان الذي تدور فيه هذه الحكاية :

يقول الراوي : بأن إدارة مياه في الأردن ، استدرجت عروضا من الشركات المتخصصة لحفر وتجهيز آبار في إحدى المناطق وبصفة الإستعجال ، لاحظوا : صفة الإستعجال ، وذلك لحفر خمس آبار بكلفة مليون دينار .

وبالفعل ، تمت إحالة الموضوع على لجنة العطاءات الحكومية في الشركة ، وهكذا كان ، حيث بلغت التكلفة الفعلية ما يقرب من مليوني دينار ، ولكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد ، لا تتوقعونها أنتم كذلك .

فقد تبين بأن المياه التي تخرج من هذه الآبار لا تصلح بالمرة لكونها ملحا أجاجا .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن الشركة ، قررت إقامة محطة تحلية لمياه هذه الآبار بكلفة 15 مليون دينار .

والأسئلة التي سيطرحها كل من قرأ هذه القصة :

من الذي حفر الآبار بدون دراسات فنية ؟ .

الإجابة في علم الغيب كما تعلمون .

هذه القضية وأمثالها كثير ، سبب وصول مديونية البلد إلى أرقامها الحالية ، ويكفي بأننا اضطررنا مؤخرا إلى توقيع اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي مرتكزين - ولا فخر- على : جيب المواطن المحتار .. والمستثمر الذي طار .. أما الشكوى فللعزيز الجبار !.