طوال عام 2018، أكدنا ضرورة أن يتخذ المستثمرون التوجّه الدفاعي بشأن الأسهم، مع تجنّب الخوض في قطاعات أشباه الموصلات والسيارات جرّاء تفاقم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين. ووصلت التقييمات - لاسيّما في الأسهم الأمريكية التي تشكل نصف المؤشر العالمي للأسهم - إلى مستويات انخفضت فيها نسبة الأرباح إلى المخاطر بشكل كبير. وفي الوقت ذاته، واصل الاحتياطي الفدرالي تطبيع أسعار فائدته، موضّحاً أن الأسعار بعيدة جداً عن الحيادية. وتتغير الديناميكيات نتيجة رفع سعر الخصم الأكثر أهمية، مما يجعل أسهم النمو عرضة للخطر، وقد يمهد ذلك الطريق أمام عودة الأسهم ذات القيمة.

ومن الناحية التكتيكية، تتجه الأسواق الناشئة نحو ’الشراء‘ نظراً لتواجد الأسهم الصينية في منطقة أسواق متدهورة، بينما تقترب النهاية من أسواق الأسهم المتجهة إلى الصعود. ونقدم في النهاية أسلوباً للتعامل مع العشوائية غير المدروسة في الأسواق المالية.

الأسهم الأمريكية فقدت جاذبيتها المعهودة

لعبت سياسة الرئيس ترامب ’أمريكا أولاً‘ وإصلاحاته الضريبية دوراً مهماً في دعم الأسواق المالية الأمريكية، فسجّلت الأسهم الأمريكية ارتفاعات جديدة خلال الربع الثالث بالرغم من التقلبات التي شهدتها السوق العالمية للأسهم المالية. وارتفع مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ إحدى وعشرين مرة، وقدّم توزيعات على الأرباح بنسبة 1.8%. واعتماداً على تسعة مقاييس تقييم مختلفة، ارتفع مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ بمقدار 0.85 انحرافاً معيارياً فوق المعدل المتوسط منذ عام 1990، مما جعل السندات الأمريكية الأعلى ثمناً منذ عام 2002 (باستثناء الذروة التي بلغتها في يناير 2018).

الشكل 1
ويرتبط العائد الحقيقي السنوي المستحق بعد 10 سنوات لمؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ سلباً مع ارتفاع تقييمه، على النحو المبين في الشكل 1، حيث تشير المنطقة الحمراء إلى نطاق الارتفاع (في الدرجة z) الذي تمت ملاحظته في عام 2018 على ’ستاندرد آند بورز 500‘ وفق تسعة مقاييس للتقييم. وبناء على هذه البيانات، من المرجح أن تشهد العائدات السنوية للأسهم الأمريكية ارتفاعاً بنسبة 0-1% على مدى السنوات العشر القادمة. وقد تكون النتائج أسوأ بكثير إن تجاوزت مستويات التضخم حدود التوقعات.

ويمكن أن تتفاقم الأمور بالنسبة للأسهم الأمريكية بوجود بدائل جذابة ناتجة عن الارتفاع الأخير في أسعار فائدة الاحتياطي الفدرالي. وعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة سندات الرهن العقاري بأجل استحقاق 15 عاماً 4.03%، مما سيوفر مستوى جاذبية أكبر لمعدل المخاطرة/العوائد قياساً بالأسهم على مدار العامين المقبلين. ويبدو تباين هبوط الأسعار أكثر انخفاضاً في سندات الرهن العقاري قياساً بالأسهم؛ وستتراجع أسعار الأسهم إذا دخل الاقتصاد في مرحلة ركود جديدة، بينما سيتم تحديد أسعار سندات الرهن العقاري. وفي حال شهدت الأسواق ظروفاً اعتيادية مع نمو منخفض ودون أي ركود خلال العامين المقبلين، من المحتمل أن تحقق فئتا الأصول العائد الحقيقي ذاته.

هل ستعود الأسهم ذات القيمة للارتفاع؟

كانت السنوات العشرة الماضية هي الأسوأ بالنسبة للقيمة قياساً بالنمو منذ عام 1985، على النحو المبين في الشكل 2. وفي الواقع، قلبت الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية ميزان القيمة الكلاسيكية مقابل النمو رأساً على عقب. ويظهر التحليل ذاته الذي اقتصر على الأسهم الأمريكية صورة مختلفة حيث تفوّق النمو قياساً بالقيمة طوال فترة تسعينيات القرن العشرين، مما جعل التغير الجذري الحالي في القيمة أشبه ما يكون بالظاهرة السوقية المتقدمة.

الشكل 2

وما الذي قد يسبب التراجع الذي شهدته أسعار الأسهم ذات القيمة باستثناء أزمة الإنترنت، أو فقاعة الدوت كوم وما تمتاز به من خواص فريدة، يبدو انخفاض أسعار الفائدة الذي فرضته البنوك المركزية في دول العالم المتقدمة بمثابة العامل الواضح الذي تغير بعد الأزمة المالية العالمية. ويشكل الانخفاض التاريخي لأسعار الفائدة بيئة خالية من أي بديل عن الأسهم، مما يدفع إلى ارتفاع مستوى المخاطرة أو السعي لتحقيق العائدات. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع تقييم أسهم النمو، وتشكيل علاوة على العائدات تتجاوز القيمة في الفترة الممتدة منذ الأزمة المالية العالمية. كما ترتبط الأسهم ذات القيمة بشكل كبير مع قطاعات الطاقة والمواد والتمويل، والتي مرت بفترة إحباط منذ عام 2010، على الأقل في دول العالم المتقدمة ككل.

وفي توقعاتنا للربع الثالث، أشرنا إلى التفرّد الذي يتسم به قطاع التكنولوجيا نظراً لنموه القوي والمرتفع بسبب زيادة ثقل القطاع عبر شركات البرمجيات التي تألقت بقوة مزاياها الاقتصادية التنافسية. وعلاوة على ذلك، يتمتع قطاع التكنولوجيا بانخفاض مستوى صافي الدين، مما يمنحه أدنى حدود الحساسية لأسعار الفائدة قياساً بجميع القطاعات الأخرى. يبدو هذا الأمر حقيقياً للوهلة الأولى، ولكن الدراسات اللاحقة كشفت وجود حساسية إيجابية أعلى لأسعار الفائدة؛ وهو أمر ينبغي أن يثير القلق لدى المستثمرين الأكثر تركيزاً على أسهم التكنولوجيا.

وتمتلك أسهم النمو حساسية إيجابية أعلى لأسعار الفائدة ضمن تقييمها بالمقارنة مع الأسهم ذات القيمة، وذلك لأن أسهم النمو تكتسب جزءاً أكبر من قيمتها الحالية من التدفقات النقدية المستقبلية للمرحلة النهائية (لغة نموذج التدفق النقدي لما يجري خلال خمس سنوات اعتباراً من اليوم). وعندما يرفع بنك الاحتياطي الفدرالي سعر الخصم على التدفقات النقدية، تتراجع القيمة الحالية للقيمة النهائية الخاصة بأسهم النمو بشكل نسبي أكبر من التدفقات النقدية للأسهم ذات القيمة، والتي تستمد جزءاً من قيمتها الحالية من المرحلة النهائية. ويمكننا التفكير بالمقارنة بين أسهم النمو والأسهم ذات القيمة بطريقة أخرى؛ حيث تتمتع أسهم النمو بفترات استحقاق أطول مما يجعلها أكثر حساسية لارتفاع معدلات سعر الخصم. وإذا استمرت أسعار الفائدة بالتوجه نحو التطبيع، نتوقع عودة ارتفاع أسهم القيمة قياساً بأسهم النمو. وقد تشكل أسهم التكنولوجيا أكبر مفاجأة سلبية في أسواق الأسهم في حال تم تطبيع أسعار الفائدة.

هل يمكننا اعتبار الأسواق الناشئة ميّالة نحو ’الشراء‘؟

مرّت أسهم الأسواق الناشئة بعام سيء انخفضت فيه أسعارها بنسبة 12% منذ بداية العام وحتى اليوم، وبنسبة 20% منذ الذروة التي بلغتها في يناير مقابل الأسواق المتطورة، والتي ارتفعت منذ بداية العام وحتى اليوم في ظل انتعاش الأسهم الأمريكية. وجاء ضعف الأداء نتيجة لقوة الدولار الأمريكي وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، والتي أدت إلى زيادة الالتزامات المالية الخارجية وتسببت في تدهور الأوضاع المالية. وتعتبر تركيا والأرجنتين وروسيا وإندونيسيا أمثلة عن الدول التي عانت جرّاء التأثيرات التي يحدثها تطبيع أسعار الفائدة الأمريكية في الأسواق الناشئة.

كما شهدت أسعار النفط هذا العام ارتفاعاً كبيراً من حيث قيمتها بالدولار الأمريكي؛ وعند قياسها بالعملة المحلية، ارتفعت أسعار الطاقة في العديد من دول الأسواق الناشئة بنسب تراوحت بين 50-100% خلال العام الماضي، مما عزز الضغوط المفروضة على الإنفاق الاستهلاكي. وتفاقمت مشاكل الأسواق الناشئة جراء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث أدت الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية إلى تدهور معنويات المستثمرين الصينيين، فانخفض مؤشر CSI 300 الصيني بنسبة 15% منذ عام وحتى الآن. ونظراً لكونها تحتل الوزن الأكبر في مؤشر ’مورغان ستانلي‘ لسندات الأسواق الناشئة، تتبوأ الأسهم الصينية أهمية محورية بالنسبة لأسهم الأسواق الناشئة.

الشكل 3

ونتوقع أن تعاني الأسواق الناشئة مزيداً من الألم في حال صدقت توقعاتنا، واستمرت أسعار الفائدة الأمريكية بالارتفاع مدفوعة بارتفاع أسعار فائدة بنك الاحتياطي الفدرالي وأسعار الطاقة. ومع ذلك، تمتاز الصين بخواص فريدة مع ذخيرة مالية تكفي لتوجيه الاقتصاد بعيداً عن حالته المتدهورة مؤخراً. ونفذت الحكومة محفزات مالية ونقدية كبيرة؛ وتشير البيانات الائتمانية الأخيرة إلى أن الدافع الائتماني (المشتق الثاني على الائتمان) قد تحول مؤخراً إلى الجانب الإيجابي. وجاءت ردة فعل أسواق الأسهم الصينية إيجابية للمحفزات، إلا أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تجعل إجراء التحليلات والحصول على نتائج مسألةً أكثر تعقيداً.

وبالرغم من هذا الغموض، نعتقد أن الأسهم الصينية تشكل فرصة شراء تكتيكية، لاسيما في ظل المكانة المنخفضة للأسهم الأمريكية. ومنذ الأزمة المالية العالمية، انتقل فارق التقييم بين الأسهم الصينية والأمريكية من مستواه المرتفع 40-80% ليصل مؤخراً إلى -15%، وهو أمر محيّر حيث تشير التوقعات الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات النمو على المدى الطويل في الصين قياساً بالولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو قلق الأسواق واضحاً تجاه النموذج الصيني، وتفرض على سوق الأسهم الصينية مزيداً من المخاطر السياسية مع تصعيد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية. على النحو المبين في الشكل 1، تعتبر نقطة البداية على التقييم محركاً مهماً للعائدات المستقبلية؛ مما يجعلنا مقتنعين بأن الأسهم الصينية ستبدأ بالتفوق على الأسهم الأمريكية خلال السنوات القادمة.

عشوائية غير مدروسة

قال بينوا ماندلبروت - البولندي واسع المعرفة - منذ عدة عقود أن الأسواق المالية مُحاطة بعشوائية غير مدروسة. وهذا يعني أنه من غير المحتمل وجود توزيع مستقر يناسب الحركات المالية والاقتصادية. ويعتبر توزيع ’كوشي‘ (Cauchy) مثالاً عن التوزيع غير المدروس، حيث يبدو كتوزيع طبيعي في ظاهره، ولكن لديه ذيول طويلة جداً على النحو المبين في الشكل 4؛ وفي الواقع، ليس للتوزيع أي عزوم باستثناء وضعه (الوسيط).

الشكل 4

ويكمن الذكاء في اتخاذ القرارات الحاسمة التي تفصل بين نتائج أي وكيلَين في ذيول توزيع النتائج. حتى أن الأطفال يتعلمون في سن مبكرة كيفية تجنب المخاطر اللاحقة، لأن أحداثاً جسيمة تحدث آنذاك، وبالتالي، فإن هدف وظيفة البقاء على الحياة عند الأطفال هو تجنب ذيول المخاطر. وينطبق الأمر نفسه على المستثمرين. الخطوات التي اتخذها المستثمر خلال انهيار عام 2008 (المخاطرة اللاحقة) هي الفيصل الحقيقي بين الفائزين والخاسرين (الفائزون المحظوظون سابقاً بسبب العشوائية).

فإن كانت الأسواق المالية بالفعل عبارة عن توزيع ’كوشي‘، كما قال ماندلبروت، عندها لن نمتلك أي فكرة عن العزوم الإحصائية في الأسواق المالية. والأسوأ من ذلك أن الذيول كبيرة جداً بحيث تتسبب بعشوائية غير مدروسة. وهذا يعني أننا قد نشهد حركة صادمة قياسية في أي أداة مالية تكون أعلى مما يراه المشاركون في السوق. لقد شكلت الحركة القياسية لمؤشر التقلبات VIX في فبراير من هذا العام صدمة كاملة للجميع، لأنها جعلت انهيار بنك ’ليمان براذرز‘ كما لو أنه حدث عادي. ولأن أي نموذج لم يشهد مثل تلك الحركة مسبقاً، تم طرد العديد من المضاربين بسبب فشلهم في تحقيق القانون الأكثر أهمية في إدارة المخاطر: تجنب الخراب.

وعرض نسيم طالب حلاً لمشكلة العشوائية غير المدروسة؛ وهي تسمى استراتيجية ’باربل‘. وبعبارات بسيطة، يجب على المستثمرين - واعتماداً على مدى قدرة الشخص على تفادي المخاطر - تخصيص حوالي 85% للسندات الحكومية قصيرة الأجل، والسندات المرتبطة، لحماية أكبر قدر ممكن من ثرواتهم. ويجب تخصيص الـ 15% المتبقية للأحداث غير المتوقعة عبر عقود خيارات خارج النقد1، والاستثمار في سندات الأسهم الصغيرة التي تحمل درجة عالية من المخاطر، والأسهم الخاصة، ورأس المال المُخاطر، وببساطة أي شيء يحمل نسبة مخاطر إلى عائدات 1:10. وبشكل أساسي، تقسم المحفظة إلى جزأين يملكان أهداف مختلفة تماماً: قيود صعبة تحمل مخاطر الهبوط، وحصة كبيرة لزيادة نسبة الشكوك بالنتيجة.

من الصعب تطبيق استراتيجية ’باربل‘ نظراً لاحتمالياتها السلبية في معظم الشهور، لكنها جديرة بالتفكير نظراً للعشوائية غير المدروسة التي يحتمل وجودها في الأسواق، فيما يزداد الغموض في العالم جراء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وكابوس الموازنة في إيطاليا، والإمكانية الصعبة لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية.

وجهات نظرنا

باستثناء تحويل رؤيتنا الخاصة بشركات البرمجيات (أسهم النمو) إلى منحىً أكثر سلبية نتيجة للأسباب الموضحة أعلاه، تبقى وجهات نظرنا الأخرى على حالها دون أي تغيير. التركيز على القطاعات غير الدورية، مثل الرعاية الصحية والمواد الغذائية الاستهلاكية، والابتعاد عن صناعات أشباه الموصلات والسيارات نظراً للتصعيد في الحرب التجارية. ينبغي أن تخضع الأسهم لعملية تقييم متساوية قياساً بالسندات، ويجب أن يميل تعرض السهم نحو الأسواق الناشئة، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية (التي يجب تجنبها قدر الإمكان)، والتركيز التكتيكي على الأسهم الصينية؛ واستمرار الموقف السلبي بشأن بقية الأسواق الناشئة. يجب على المستثمرين التفكير في زيادة الانكشاف على السندات ذات القيمة (إمالة العامل). بشكل عام، ينبغي الابتعاد قدر الإمكان عن الاقتصادات التي تعتمد على التصدير، ولديها فائض تجاري كبير.