دثان ذكراني بالحمير، وأقصد حمار الأديب توفيق الحكيم الذي صاحبه في كتاباته الأدبية والصحفية، وحمير الكاتب التركي الشهير عزيز نيسن في مجموعته القصصية "آه منا نحن معشر الحمير" والتي يروي في إحداها كيف أن الحمير كانوا لا ينهقون بل يتحدثون لغةً واضحة سليمة تماماً كالبشر العاديين، لكن عندما خدعَ أحدهم نفسه وحاول أن يتجاهل واقعه بأن أغفل أن ما يراهُ أمامهُ هو ذئبٌ فعضه الذئبُ من مؤخرته كانت النتيجةُ أن لجم الخوفُ لسان الحمار فنهق "آه هو هاق" وظل ينهق من الخوف حتى نسي الحمارُ لغته الأصلية وظل ينهق حتى الآن. 


يتعلق الحادث الأول بتركيا وما حدث فيها من انقلاب بدأ وانتهى بين غفوةٍ وصحوة، والتي طالها من التعليق ما يكفي، أما الحادثة الثانية فهي ما كتبهُ نائب محافظ محافظة أريحا جمال الرجوب عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك يوم أمس الإثنين حين التقى مصادفة بأحد الحمير يجوب صباحاً وسط مركز مدينة أريحا فقرر أن يصحبه في جولته. 


يقول الرجوب: "لم تكن مرافقته سيئة، بالرغم من التعب كان لطيفا ودودا، واكبته من وسط المدينة، (...) حاولت الاقتراب منه لمعرفة سر الجولة المفاجئة، تحفظ عن الخوض في موضوع الانقلاب في تركيا، وكذلك بيان الرباعية، والمبادرة الفرنسية.  


ضحك ساخرا حينما سألته عما ستتمخض عنه القمة العربية في موريتانيا . اقتصر على القول إن الدعوة إلى الوحدة الوطنية، والتراجع عن الانقسام، والمشاركة في الانتخابات البلدية على أساس الكفاءة والارتقاء بمستوى الخدمات، وقد كان واضحا فيما دعا إليه".


وأرفق الرجوب صوراً وفيديو مصورا لجولة الحمار في مدينة أريحا، وهو معه خطوةً بخطوة. 


ما استوقفني فيما قالهُ الرجوب أمران الأول ذو صلةٍ بالمقدرة الأدبية له، والتي بدت عفوية، تصلح جزءاً من قصة قصيرة عليه أن يكملها، أما الثانية فلها علاقة بأن بعض المسؤولين يوجهون الانتقادات للوضع السياسي والاجتماعي القائم لكن بطرق دبلوماسية غير مباشرة. فانتقادات الرجوب التي جاءت على لسان حمار لاستخلاص العبر تُشبه طريقة كليلة ودمنة، حيث تأتي العبر والحكم على لسان الحيوانات.

 

وطريقةُ سرده البسيطة وبدايتها الصباحية تشبه مشهداً مماثلاً لتوفيق الحكيم في بداية قصته "حمار الحكيم" حين كان الراوي يقص شعرهُ عند الحلاق فانتهى به الأمر أن اشترى حماراً بالخطأ، واضطر إلى مصاحبته مسمياً حماره بالفيلسوف. 


وصحبة توفيق الحكيم للحمار تشبه صحبة الرجوب لحماره الريحاوي، فالحكيم نشأت بينه وبين الحمار علاقة مقدسة تطورت إلى صداقة، حتى وصلت أن مختلف ما يكتبه الحكيم من نقد اجتماعي لواقعه كان أمام رفيقه الحمار في سلسلة مقالات بعنوان (حماري قال لي)، وهو ما قام به الرجوب حين نقل على لسان حماره مجمل شواغله، وشواغل الشارع الفلسطيني حتى صيغة التهكم على واقعنا أوردها في مقاله القصير. 

 

وعلى ما أعتقد أن ما حاول الرجوب قوله هنا يصب في فكرة أننا في نظر البعض موجودون اليوم مثلما وجدنا بالأمس، أي بدرجةٍ أقل مما ينبغي كي نُحترم، وكي يُؤخذ برأينا، أو حتى كي نُؤثر.


أي أننا نُشبِهُ "الحمار الذهبي"، وهو الحمار الذي دارت حوله أحداث ما يُعرف بأول رواية في تاريخ البشرية حين قرر بشري أن يتحول إلى طائر لكنه أخطأ في الوصفة السحرية فاستبدلها بوصفة أخرى حولته إلى حمار، وهي الرواية التي تتحدث عن اضمحلال العقل وتدهور مكانته وتراجع القيم والأخلاق، فيظل الحمارُ حماراً وإن كان من ذهب.


وبما أن الحمار بالحمار يُذكر، يظلُّ الحمار الأشهر فلسطينياً هو حمار إميل حبيبي في رواية المتشائل، الذي مرة كان سائباً فأنقذهُ من الموت، ومرة كان على ظهرهِ فظن أنه أعلى مقاماً من الحاكم العسكري، ومرة حين نزل عن الحمار فعرفَ قدر نفسِه.


أما نحنُ، فمازلنا ننظرُ لأنفسنا كما نظرَ الرومان قديماً للحمير بتقديرٍ على صبرنا وقدرة تحملنا.

المصدر