لو لم تأخذ الأقدار جبران خليل جبران من بلدته: «بشري» غير البعيدة عن بيروت إلى بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، أكان سيكون جبران الذي بتنا نعرفه ونقرأ مؤلفاته؟
جبران موهوب بالولادة، وكان يمكن أن يصبح كاتباً جيداً، وربما معروفاً، لو بقي في لبنان، مثله مثل الكثير من أدباء لبنان وغير لبنان ممن لم يغادروا أوطانهم، ولكن المؤكد أنه سيكون كاتباً مختلفاً عن الذي صاره في أمريكا.
لم يكن جبران في سن من يختار الهجرة إلى أمريكا يوم هاجر. فالقرار اتخذته والدته التي وجدت نفسها محمولة على الرحيل. كان زوجها، والد جبران، جابياً للرسوم على الماعز والأغنام في جرود لبنان الشمالية، وجرت ملابسات معينة قادت الوالد إلى السجن، فطرق الفقر باب العائلة، ما حمل الأم على اصطحاب أولادها الأربعة إلى أمريكا، وبينهم أخ جبران الأكبر من زوج سابق لوالدته.
أمريكا ليست لبنان. هناك عاش جبران بيئة مختلفة عن تلك التي نشأ عليها في طفولته، ما انعكس على تكوين شخصيته، وأطلق العنان لمواهبه في الرسم والكتابة. 
لكن رغم ذلك ما كان جبران، حتى بعد هجرة العائلة لأمريكا، سيصبح جبران الذي نعرفه اليوم لولا المرأة الاستثنائية التي دخلت حياته، ماري هاسكل، التي تعرفت إليه في العام 1904 لدى افتتاح معرضه الأول، فأعجبت برسوماته، حتى إنها دعته للعرض في مدرسة للبنات تديرها هي شخصياً، وبعد حين أصبحت تدعوه إلى مرافقتها في المناسبات الاجتماعية، وعرّفته إلى أصدقائها في الوسط الراقي الذي تنتمي إليه.
قرّرت المرأة الثرية والمثقفة أن تتعهد موهبة هذا الشاب الآتي من لبنان، فأرسلته على نفقتها إلى باريس لدراسة الرسم. وكانت تلك تجربة مهمة في حياة جبران، طّورت وأثرت موهبته، ووسعت من مداركه.
لم يكن عمر جبران عند عودته من باريس قد تجاوز السابعة والعشرين، على ما نجد في بعض ما نشر عن سيرته، فيما كانت ماري هاسكل تكبره بعشرة أعوام، لكنه كاشفها عن حبه لها، ورغبته في الزواج منها. 
تجاوبت المرأة مع حب جبران، لكنها لم تتزوجه، وعملت على ثنيه عن الفكرة، وقيل إن أسباباً مختلفة جعلتها تعرض عن الفكرة بينها فارق السن بينهما، وكانت تكرر أمامه: لست جذّابة بما يكفي كي تتزوجني.
لكن علاقة الحب بينهما استمرت، رغم أننا نعثر في بعض ما كُتب عن حياة جبران، على ما يفيد أنه دخلت في حياته نساء أخريات، هذا إذا لم نتحدث عن علاقته عن بُعد مع مي زيادة المقيمة في القاهرة، ورغم الصيت الواسع الذي لقيته مراسلات جبران مع مي، فإن مراسلاته مع ماري هاسكل، ملهمته ومعلمته، لا تقل جمالاً وأهمية، هو الذي كتب لها في إحدى الرسائل: «مثل ما بيننا كمثل المطلق في الحياة. كل منَّا أنت وأنا يا ماري يفهم الذات الكبرى للآخر؛ وهذا الأمر في نظري أروع ما في الحياة».