مهنة التمريض مهنة سامية من أسمى وأشرف وأنبل المهن الموجودة في عالمنا اليوم، ولكنها ربما تكون في نفس الوقت من أكثر المهن التي تتعرض للإجحاف والظلم خاصة في المجتمعات المحافظة مثل مجتمعنا الإماراتي. واليوم ونحن في دولة الإمارات نعيش تحدي توطين المهن الطبية والصحية المختلفة، فلا بد لنا أن نتوقف عند واقع أن 80% من هذه المهن هي مهن تمريضية، بينما لا يوجد لدينا سوى 400 ممرض وممرضة مواطنين من أصل 30 ألف ممرض وممرضة يعملون في الدولة في القطاعين العام والخاص.

وهذه مفارقة خطيرة لأن دور التمريض أهم بكثير من الصورة الاجتماعية المجحفة، وهو يتعدى بكثير إعطاء المريض حقنة أو مساعدته في مسائل إنسانية بسيطة إلى تقديم الدعم الفني المتخصص في غرف العمليات والإنعاش إضافة لإدارة السجلات الطبية والخدمات الصحية المساندة، بالإضافة إلى التخصصات التمريضية الخاصة بأقسام طبية معينة مثل تمريض الحالات النفسية وغير ذلك.

صحيح أن عدد أبنائنا وبناتنا من ملائكة الرحمة قليل، لكن ما يرفع الرأس هنا هو المستويات المهنية والرفيعة لهم ولهن، فهناك من يحملن شهادات عليا من جامعات عالمية مرموقة مثل الكلية الملكية للجراحين في أدنبرة وغيرها، كيف يجوز بعد ذلك أن ننظر لحاملات مثل هذه الشهادات الرفيعة وممارِسات هذه المهنة الرائعة نظرة دونية لأننا مقصرون في تثقيف أنفسنا عن أهمية مهنة التمريض وعاجزون عن إدراك دورها الأكثر من مهم في حياة المريض.

الحكومة من جانبها لم تقصر، فقد أطلقت في العام 2015 المبادرة الوطنية لتعزيز جاذبية مهنة التمريض، بإشراف وزارة الصحة ووقاية المجتمع ضمن ثلاثة محاور للتحفيز، والتوعية والإعلام، والتأهيل والتدريب.

ويتصدر الجهود الوطنية هنا جهدُ سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية من خلال تأسيس كلية فاطمة للعلوم الصحية في العين لتدريس اختصاصات في مقدمتها التمريض الذي قالت عنه سموها إنه مهنة إنسانية بامتياز وخدمة متميزة، مضيفة أن التوجه الرئيسي للرعاية الصحية المركزية اليوم يعتمد بشكل أساسي على فريق التمريض مما يؤكد أهمية الانتساب إلى هذه المهنة التي أجلّها الإسلام وقدرّها العالم أجمع.

وأشير هنا إلى جهود مؤسسة الجليلة لابتعاث ممرضات مواطنات لمواصلة الدراسات العليا، وكذلك النمو المضطرد في برامج تدريس التمريض في جامعات وكليات الإمارات بدعم كريم من حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، سمو الأميرة هيا بنت الحسين، رئيسة مجلس الإمارات للتمريض والقبالة.

وقد تبنى المجلس بتوجيهات من سموها، استراتيجية للتعليم لدعم مبادرة «تعزيز جاذبية مهنة التمريض» نتج عنها التحاق 118 طالبة مواطنة ببرنامج بكالوريوس التمريض في كليات التقنية العليا، بينما بلغ عدد دارسات التمريض في جامعة رأس الخيمة الصحية 115، وجامعة الشارقة 21، وكلية فاطمة 233 طالبة، وبذلك يبلغ إجمالي المواطنات الملتحقات في برامج التمريض الجامعية 487 طالبة.

وهناك جهود مشكورة لكل من جمعية الإمارات للتمريض ونادي التمريض الإماراتي تركّز على تحسين ظروف عمل الممرضات وكذلك إقناع الممرضات اللواتي يتركن العمل لأسباب اجتماعية أو أسرية بالعودة للعمل.

التحدي الأساسي كما أسلفنا هو النظرة الاجتماعية المجحفة لكنه ليس التحدي الوحيد فهنالك أيضا ضعف الرواتب، وهنا نتمنى أن تعمد وزارة الصحة إلى استصدار قرار بمنح علاوة فنية خاصة للممرضات والممرضين المواطنين بحيث تشكل فارقا جيدا في دخولهم وتشعرهم بتقدير الدولة لعملهم المتميز.