على أي جانب من الطريق الأيمن أو الأيسر، يقع البيت؟ تبدو الإجابة أقرب إلى البداهة، لكنها ليست كذلك. لو أتينا البيت من نهاية الشارع المحاذي له سنجده يقع على اليسار، لكن إن فعلنا العكس وقصدنا البيت من بداية الشارع، فإن البيت سيقع على اليمين.
من طرح هذا السؤال ليس معلماً في مدرسة ابتدائية يختبر معلومات وذكاء تلاميذه، حول بيت ما، أو موقع ما، يراد تحديد أين يقع بالضبط. 
من طرح السؤال عالمان في الفيزياء اسم أحدهما لانداو، واسم الثاني رومر، وأرادا به تقديم نظرية النسبية لأينشتاين بعبارات وأمثلة بسيطة لأناس مثلي يضجرون من الفيزياء والرياضيات، وكل ما يمت بصلة لمثل هذه العلوم.
ليس هذا هو المثال الوحيد الذي يقدمه الرجلان في مؤلفهما القيّم «ما هي نظرية النسبية؟»، من أجل أن يبسطا فكرتهما بسلاسة للمتلقي.
ثمة مثال آخر بوسعنا إيراده، يدور حول امرأتين تسافران بالقطار في رحلة طويلة تمتد أياماً وليالي، تقطع مدناً وبلدات. اتفقت المرأتان على أن تلتقيا صباح كل يوم في نفس المكان في عربة القطار، كي تكتب كل منهما رسالة إلى زوجها، تروي فيها انطباعاتها ومشاهداتها وتبث فيها أشواقها.
حين يستلم الزوجان الرسالتين لن يصدق أي منهما أن المرأتين تلتقيان في نفس المكان. ومعهما كل الحق في ذلك، فبين مكان الرسالة والأخرى التي يستلمها كل منهما مئات الكيلومترات، بالنظر إلى أنهما ترسلان الرسائل من المدن التي يتوقف فيها القطار.
من وجهة نظر المسافرتين فإنهما تكتبان رسائلهما في نفس المكان من عربة القطار، وهما في هذا مُحقتان، لكن من وجهة نظر الزوجين، فإن مكان كتابة كل رسالة يبعد عن مكان كتابة الرسالة التالية مئات الكيلومترات.
مَن مِن الطرفين على حق: الزوجتان أم زوجاهما؟ ليس لدى عالمي الفيزياء لانداو ورومر، ما يبرر تفضيل إحدى وجهتي النظر، ليخلصا إلى أن لعبارة «في نفس المكان» معنى نسبياً فقط.
هذا ليس درساً في الفيزياء فقط. إنه درس في الحياة، فالقضية ليست في تحديد ما هو الصحيح وما هو الخطأ، وإنما في نسبية الأمرين معاً. 
ما هو صحيح في زمنٍ ما، لا يعود كذلك في زمن آخر. المعرفة هي الأخرى نسبية، فهي تتطور ولا تجمد عند نقطة بعينها، فسرعان ما تضاء زوايا كانت معتمة تضيف جديداً على المعرفة، التي لا يمكن أن تبلغ الإطلاق أبداً، مهما بدت في نظرنا مكتملة.
لو أن المجتمعات البشرية، ومجتمعاتنا بشكل خاص، سارت على هذا الهدي؛ أي الإقرار لا بنسبية المعرفة وحدها، وإنما بنسبية الحقيقة أيضاً، لكانت وفرّت على نفسها حروباً عبثية تُشن، ودماء تراق مجاناً بلا طائل، خاصة حين نجد في أحداث وقعت في الماضي البعيد عنواناً للصراع.