انتهى سباق المسلسلات الرمضانية، وحان وقت النقد والتحليل، لما لهذه العملية من فوائد لصناع الدراما، ولإثراء تجربتهم بمزيد من الخبرة، والابتعاد عن الأخطاء في الأعمال المقبلة.

وفي هذا المقال، سنحاول التركيز على المسلسل الأهم بالنسبة إلى المشاهد الإماراتي، وهو مسلسل «خيانة وطن»، فمما لا شك فيه، أنه كان له صداه الواضح، وتأثيره في المشاهدين، لكن هناك بعض النقاط التي يجب أن نركز عليها، ونضعها بالحسبان.

ففي أحد اللقاءات الصحافية مع منتج العمل والممثل الدكتور «حبيب غلوم»، وضح أن عمله ليس بالعمل الدرامي الكامل، ومن المؤكد أن أيَّ عملٍ مهم، وجيد، لا يخلو من الأخطاء التي يجب تصويبها للوصول إلى مرحلة أكثر نضجاً في الأعمال التالية..

وهذه حال الدراما عموماً. قابلة للنقد وإبداء الآراء، وربما لا يوجد دور «للناقد الدرامي أو الفني» في الثقافة الإماراتية، وسيعتبر البعض، الكلام عن العمل الوطني، ما هو إلا تهجماً، لكن أنا على علم بأن المتخصصين الناجحين، لديهم نظرة باحثة عن النقاد أكثر من المعجبين.

من خلال متابعتي للعمل، كان لديّ بعض الملاحظات، ففي الحلقات الأولى التي صورت عمليات اعتقال أفراد التنظيم، لم تظهر الصرامة في طرق اعتقال المجرمين، خصوصاً في قضايا أمن الدولة..

والتي تعد من أصعب القضايا وأكثرها بشاعة، والرد عليها يجب أن يكون قاسياً جداً، وهذا ما لم نشاهده في أثناء العمل. ربما لكون دولتنا دولة مدنية، لا تُعنى أجهزتها الأمنية بإظهار العنف، لكن.. وأمام مثل هذه القضايا الحساسة، يجب علينا أن نقف وقفة صارمة، لنحاسب مرتكبيها حساباً في حجم ما قاموا به من خيانة للوطن.

وقد وضحت في مقال سابق، أوجهاً من مخازي جماعة الإخوان المسلمين وألاعيبهم، وطرقهم الملتوية للوصول إلى السلطة، لكن ما عرضه علينا العمل الدرامي، لم يظهر هذا التلون، بل أظهر لنا تنظيماً له جداول محكمة، وخطة عمل تكاد تكون محبوكة الخيوط، بل وله نظرة مستقبلية، وأخرى تخطيطية، إن صح التعبير، ولست أعلم حقيقة، إن كان صناع العمل قد غفلوا عن هذه النقطة، أم أن الالتزام بحبكة العمل الروائي، هو من أجبر كاتب السيناريو الفنان الصديق «إسماعيل عبد الله»، على سرد هذه الأحداث، وبهذا التفصيل المستفيض.

المسلسل بيَّن للمشاهد أن كل هذا التخطيط الإجرامي داخل الدولة، والاتصالات الخارجية، لم تكتشفه أجهزتنا الأمنية إلا في النهاية، وهذا أمر في غاية الخطورة، بينما نحن على علم بمدى قوة وتطور الأجهزة الأمنية في دولتنا، وتنسيقها العالي مع دول العالم.

ومن المفروض أن تُضمَّن هذه الممارسات داخل العمل، خصوصاً أننا شاهدنا في بعض البرامج والإعلانات والمنشورات، تقنيات عالية ومبتكرة تمتلكها أجهزتنا، فلماذا لم يتم التركيز عليها، لتكون الرادع الأقوى لكل من تسول له نفسه خيانة الوطن.

العمل كان يحتاج إلى بعض المشاهد التي تبيّن أن أجهزة الشرطة على علم بكامل التحركات والتفاصيل للتنظيم، هذا إن كنا نتحدث عن المشاهد الإماراتي، الذي لديه أسبقية التعرف إلى مثل هذه التفاصيل، بينما المشاهد الخارجي بالطبع لن يدركها، وكان الأفضل أن نظهر هذا في السياق الدرامي، وبما يخدم قضية الوطن المطروحة.

كما نشاهده في الدراما المصرية أو الأجنبية، من إظهار قوة الأجهزة الأمنية وتطورها في متابعة المجرمين والتنظيمات، وألا يكون الكشف عن التنظيم، كما هو مبين في العمل، حدث عن طريق المصادفة.

لقد اهتم العمل عموماً بإظهار الجوانب السيئة لأفراد التنظيم من الناحية الأسرية فقط، وكيف خانوا عائلاتهم، وضحوا بأقرب الناس إليهم من أجل التنظيم، لكن لم يتم توظيف مبررات أو أحداث أكثر بشاعة لمسألة خيانة الوطن وبيعه من أجل السلطة، إلا في بعض المشاهد الحوارية...

وكما يُقال: «إن الصورة تغني عن ألف كلمة»، فلماذا لم يتم التركيز بالصور على هذا الأمر، بل انصب التركيز طوال الـ 30 حلقة، في كشف خطة التنظيم وعلاقة قياداته بعائلاتهم، ولم يوثق العمل علاقة الدولة بهم، وما قدمته دولتنا لهؤلاء.

وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر لصناع العمل، وعلى رأسهم المخرج أحمد المقلة، الذي أتحفنا بقطعة فنية عالية المستوى من الناحية التقنية والإخراجية، ولجميع الممثلين الذين قدموا نموذجاً فنياً رائعاً في فن التمثيل، والذين تقمصوا أدوارهم بشكل محترف، وما تقدمنا به سلفاً، ما هو إلا نقد بنّاء، لتلافي مثل هذه الأمور في الأعمال المقبلة..

والتي نتطلع أن تتناول قضايا الوطن بطريقة درامية مشوقة، وأن توثق تلاحم واتحاد إماراتنا، وتبين للعالم أجمع، إنجازات الدولة، وعلاقة شعبها بالقيادة الحكيمة، وأن تلتفت لبعض شخصيات الوطن، لتكون محور الطرح في أعمالنا الدرامية المقبلة.

المصدر