ليوسف إدريس قصة عن عصفور تعب من الطيران فحطّ على سلك تلفون ممدود بين عمودين، كل ما فعله العصفور هو أنه اختار أعلى بقعة وحطَّ عليها وتشبث بمخالبه البريئة يمسك بالسلك ويحتويه، لم يكن العصفور السادر في عالمه يدرك أن السلك القديم، الصدىء، غير السميك الذي يتشبث به، في دواخله حيوات، أصوات بشر يتبادلون الكلام. 
أحصى الكاتب سبع مكالمات كانت تدور في تلك اللحظة من خلال هذا السلك. مجموعة من الأصوات تحمل التحية والاستغاثة والرجاء والعتاب وكلمات الشوق والوجد، وربما الشتائم والخناقات وربما الصفقات. هذه الكلمات الأصوات تتمازج لتتحول الى الكترونات متشابهة. كلمة الحب تحمل نفس الشحنة التي تحملها كلمة البغض، كهرباء الصدق، في السلك، هي نفسها كهرباء الكذب، اللوعة كاللعنة.
العصفور البريء غارق في ملكوته الخاص يحيا، السلك بالنسبة إليه ليس أكثر من مكان عالٍ لاستراحة بعد طيران طويل. لا شيء في الظاهر يتحدث، إنما في الداخل فثمة عوالم تحملها أصوات، أصوات مختلفة بنبرات مختلفة، برنات مختلفة، كل صوت يحمل توقيعاً خاصاً هو ما يميز صاحب هذا الصوت.
لكل صوت ذبذباته، وليس شرطاً أن نرى صورة المتحدث حتى نتيقن من أن الصوت هو صوته. لبعض الأصوات ذبذبات آسرة، فيها أمر أشبه بالجاذبية التي تشد للمتحدث. لا يتصل الأمر فقط بطريقة الحديث، إنما برنة الصوت، بنبرته، بموسيقاه.
يحمل إليك الهاتف إياه، الذي قد يكون عصفور كذاك الذي تحدث عنه يوسف إدريس حاطاً على سلكه، أصواتاً دافئة، حنوناً تحب أن تسمعها في أمزجتها المختلفة: ناعسة وهي تقاوم وسن النوم اللذيذ الذي يتسلل عبر الجفون، أو ناهضة مشحونة ببقايا خدر نوم هادىء، أو في قمة الصحو والتألق والحيوية، أصواتاً تشع بالذكاء والعذوبة والجمال، فتسافر معها إلى جزر من الغمام والنخيل والندى، أصواتاً فاتنة تذهب الى النوم محملاً بصدى رنينها الجميل، أو تذهب الى يومك الجديد محملاً بشحنة وجدها الفائض.
مرة قرأت للكاتبة المصرية سلوى بكر قصة بعنوان "كل هذا الصوت الجميل الذي يأتي من داخلها"، عن ربة بيت تكتشف بعد الأربعين من عمرها أن صوتها جميل وصالح للغناء، حين قررت من باب الرغبة في تسلية نفسها أن تغني وهي تستحم في حمام شقتها، فما أن شرعت في غناء "أحب عيشة الحرية" حتى شعرت كأن شخصاً آخر دخل عليها الحمام وبدأ يغني بدلاً منها، لأن الصوت لم يكن صوتها الذي تعودته، بل كان صوتاً جميلاً رخيماً، ولكنها تيقنت أن الصوت هو صوتها لا صوت أحد سواها. 
حين روت الأمر لزوجها جزم بأن مساً من الجنون قد أصابها فأخذها الى طبيب نفساني استمع الى حكايتها وكتب لها علاجاً. لقد استمع الى حكايتها ولم يستمع إليها تغني. كانت المرأة قد اكتشفت في نفسها التي علاها الرماد شيئاً آخر لم تعرفة من قبل.