كلنا، على الأرجح، نذكر ولا يمكن أن ننسى المشهد الساخر لعادل إمام (سرحان عبد البصير)، في مسرحية «شاهد مشفش حاجة»، وهو يسأل ممثل الادعاء العام، في المسرحية، عما إذا كان اسمه مكتوباً: (أنا اسمي مكتوب؟)، كلما همّ الأخير بتدوين شيء على الورقة أمامه بعد أن يستمع إلى إجاباته عن أسئلته، فيتبدد قلقه عندما يطمئنه المدعي العام أن اسمه ليس مكتوباً.
لنضع الفكاهة الأخاذة في هذا المشهد جانباً، ونطرح السؤال التالي: ما الذي كان يخشاه سرحان عبدالبصير من كتابة اسمه في المحضر الذي يُدونه المدعي العام، لتنتابه حال من الراحة، عندما يجيبه أن اسمه غير مكتوب؟
هذا السؤال، وبصورة من الصور، يحيلنا إلى قوة التدوين، أو الكتابة إن شئنا، إزاء ما يحسب بأنه ضعف للشفاهة، فبمجرد تدوين الاسم، أو أية معلومة من المعلومات، على الورق يكسبها صدقية، لا تتوفر الشفاهة عليها، كأن للشفاهة هنا مرتبة أدنى من الكتابة، أو كأن الواحد منا لا يخشى قولاً، قيل شفاهة، سواء كان ذلك على لسانه أو على لسان سواه في أمرٍ يعنيه، بالمقدار الذي يخشى فيه هذا القول بعد أن يصبح مكتوباً، فينتقل من الشفاهة إلى التدوين.
لأن أحداث مسرحية «شاهد مشفش حاجة» تدور في رواق محكمة كانت تنظر في قضية قتل، على ما نذكر جميعاً، فإن هيئة المحكمة، ومثلها ممثلا الادعاء العام والدفاع، يعولون على الأدلة المكتوبة، الموثقة، التي لها من قوة الإثبات ما لا تتوفر له الشهادة الشفهية، سواء أتت على لسان المتهم أو رافع الدعوى، أو الشهود، خاصة إذا كان الواحد منهم «مشفش حاجة»، كما هو حال صاحبنا سرحان عبد البصير في المسرحية المذكورة.
الجهد المطلوب للتحقق من صدقية كلام مكتوب أقل بكثير من الجهد المطلوب للتحقق من القول الشفاهي، وليس المقصود بالصدقية هنا صحة ما قيل في الوثيقة المكتوبة، أياً كانت هذه الوثيقة، وإنما صدقية نسبها إلى أشخاص أو جهات، ما يرتب عليهم مسؤوليات والتزامات، قد تؤدي إما إلى إدانتهم إن لزم الأمر، أو إلى تبرئتهم.
وليس شرطاً أن تتم مثل هذه المساءلة في المحكمة وحدها، فهي تتم، يومياً في الحياة، فإذا كان بوسع الكثيرين التنصل من كلام نسب إليهم قوله شفاهة في مناسبة من المناسبات، إما بنفي ذلك كلية، أو بالزعم، حقاً أو باطلاً، بأن كلامهم جرى تحريفه، فإنه ليس بوسعهم التنصل من كلام كتبوه، أو وثيقة أمضوا عليها إذا ثبتت صحة إمضائهم.
نستدرك، فنؤكد أننا لا نريد أن نضفي القداسة على التاريخ المكتوب، مقارنة بالتاريخ الشفاهي، ونحن من المؤمنين بأن التاريخ كتبه المنتصرون، وكيّفوا وقائعه وفق أهوائهم، وأن التاريخ الحقيقي قد يكون ذلك المحفوظ في الصدور، ولم يكتب، لأنه من غير المسموح له أن يكت