«جارة الوادي»، في الأغنية الشهيرة ليست امرأة معشوقة، هزّ الشوق إليها قلب العاشق، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما هي مدينة زحلة اللبنانية، واحدة من أجمل بقاع لبنان، بأشجارها الوارفة، وعيون مياهها.
وكلمات الأغنية هي مقاطع من قصيدة كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي في مديح زحلة، حتى إن عنوان القصيدة كان «زحلة»، ويقول مطلعها: «شيعتُ أحلامي بقلب باكِ/ ولمحت من طُرُق المِلاح شباكي»، ولكننا عرفنا القصيدة باسم «يا جارة الوادي»، انطلاقاً من أولى العبارات في الأبيات التي اختارها الموسيقار محمد عبدالوهاب ليلحنها، ويغنيها، هو في البداية: «يا جارة الوداي طربت وعادني/ ما يشبه الأحلام من ذكراكِ»، وكان ذلك في العام 1928، على نحو ما تواترت المعلومات.
ويذهب بعض من كتب عن القصيدة أن شوقي قصد بالوادي في قوله: «يا جارة الوادي»، وادي النيل، أي مصر، في إشارة إلى تجاور وتآخي بلاد الشام ومصر، ويقال إن شوقي، وليس لدينا ما يسند هذه المعلومة بما يكفي، زار زحلة وقد تقدّم به العمر، فاستعاد فيها ذكريات زيارة سابقة له لها في سني شبابه، ومن وحي ذلك كتب قصيدته، التي أصبحت، بفضل عبدالوهاب، أغنية أضافت موسيقاه جمالاً على كلماتها الجميلة أصلاً.
كان عبدالوهاب يومها قد أخذ في البروز كوجه موسيقي وغنائي لفت إليه الانتباه، وحين غنى «يا جارة الوادي»، حققت نجاحاً كبيراً، لكن الأغنية أديت أيضاً، وبنفس ألحان عبدالوهاب، من الفنانة اللبنانية نور الهدى، التي اكتشف موهبتها وجمال صوتها الفنان يوسف وهبي الذي توجه إلى بلاد الشام في جولة فنية عام 1942، فطلب منها السفر إلى مصر، وأسند إليها بطولة فيلم «جوهرة»، ليتوالى تقديمها للأفلام فيما بعد.
الكثيرون منا قد يكونون سمعوا الأغنية، أول مرة، بصوت فيروز، حيث شاعت الأغنية بصوتها أكثر، حين قدّمتها بعد عقود على تلحين وغناء عبدالوهاب لها، ولكن بالمقارنة بين أدائي عبدالوهاب وفيروز، سنلاحظ أن الأخوين رحباني وضعا توزيعاً جديداً للأغنية ليتناسب مع مقامات صوت فيروز، المختلفة عن مقامات صوت عبدالوهاب، وحتى نور الهدى.
البعض رأى أن عبدالوهاب ظلم قصيدة شوقي حين حذف، وهو يلحنها ويغنيها، أبياتاً جميلة في مطلعها، تعد من «أصدق أجزائها، ويصعب فهم القصيدة بدونها»، حيث يستعيد الشاعر فيها ذكريات شبابه الذي غرب، أما اللغويون فلاحظوا أن عبدالوهاب ارتكب خطأً لغويًا، وقعت فيه فيروز أيضاً، وهو نطقهما لحرف اللام في كلمة «الرياض» في البيت الذي يقول: «ولقد مررت على الرياض بربوةٍ/ غناءَ كنت حيالها ألقاكِ»، فيما هي لام شمسية لا تنطق. 
لكننا، في كل الأحوال، إزاء قطعة شعرية - موسيقية عذبة، تطوف بنا، بحنان وشجن، في فضاءات زمن جميل، تسلّل من بين أطراف أصابعنا، ولا نحسبه سيعود بالبهاء الذي كان عليه.