ربما يمكن اعتبار الحذاء واحداً من أهم الاختراعات في تاريخ البشرية. فقد أتاح للإنسان الأول التحرك إلى آفاق أبعد من محيط مأواه، بعد أن استطاع حماية قدميه من الجروح والخدوش. ولا شك في أن البدايات كانت بسيطة تمثلت في لف القدمين بأوراق ولحاء الشجر والخشب وصولاً إلى المنسوجات وجلود الحيوانات.

اثناء مرافقتي وفداً إعلامياً في مدينة تورنتو الكندية قبل نحو عقد من الزمن، لفت انتباهي أن برنامجنا يتضمن زيارة متحف فريد من نوعه.. إنه "متحف الأحذية". ويجمع هذا المتحف أحذية من مختلف أنحاء العالم ويحفظها ويعرضها. ويضم أربع صالات، ثلاث منها تستضيف عروضاً مؤقتة، والرابعة معرض دائم. ويزيد عدد المعروضات على 10 آلاف نموذج من مختلف العصور، تؤرخ لتطور الأحذية حتى وقتنا الراهن. وقد علمت لاحقاً بعد البحث أن هناك أيضاً متاحف للأحذية في دول أخرى، مثل النمسا وإسبانيا.

من أشهر الأحذية في الموروث والتاريخ "حذاء الطنبوري" الذي سبب لمالكه إبي القاسم الطنبوري العديد من المشاكل وهو يريد التخلص منه، ثم "خفي حنين" اللذين يضرب بهما المثل في الدهاء والخيبة. وهناك حذاء ساندريلا،التي ألهبت قصتها مع الأمير مخيلتنا صغاراً. وفي العصر الحديث، لا أحد ينسى حذاء الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف وهو يضرب به على منصة الأمم المتحدة مهدداً أثناء إلقاء خطابه في أوج الحرب الباردة في الستينيات. وهناك أحذية إميلدا ماركوس زوجة الرئيس الفلبيني الأسبق، التي زاد عددها على 3 آلاف زوج. وأخيراً وليس آخراً، هناك فردتا حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي اللتين قذفهما باتجاه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن خلال مؤتمر صحافي في بغداد.

وبالرجوع إلى "كان ياما كان"، تخبرنا الحكاية أن ملكاً خرج في جولة للاطلاع على أحوال مملكته. وعندما أعياه التعب وتورمت قدماه، أمر بتغطية كل طريق يمشي فيها بالجلد. لكن وزيراً ذكياً في الحاشية أدرك صعوبة المهمة، فاقترح على الملك وضع قطعتين من الجلد أسفل قدميه، وهكذا كان. إلا أن الأحذية العصرية هي بالتأكيد نتاج لعمليات تطور عبر التاريخ من حيث المواد وطريقة الصنع، ثم الأغراض المختلفة منها وصولاً إلى التفنن في أشكالها وتصاميمها، لتنتقل من المهمة الوظيفية البحتة إلى إبراز النواحي الجمالية، وخصوصاً الكعب العالي لبنات حواء.

الكعب العالي الرفيع كان موضة العصر في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وكانت تسميته الشائعة "كعب المسمار" لأنه ينتهي بقطعة معدنية تسمى "سوبرا"، ويأتي بارتفاعات 4.5 سم و6.5 سم و12 سم، وقد تصل إلى 15 سم. وعلى الرغم من صغر سني في ذلك الحين، إلا أنني كنت على تماس مباشر مع صناعة الأحذية. فقد كان والدي وعمي (رحمهما الله) يملكان محلاً عصرياً للأحذية ذا علامة تجارية "الحذاء الفضي"، وكنت مجبراً على التواجد في المحل، خصوصاً في العطلات المدرسية لإبعادي عن البيت منعاً للمشاكل التي كنت أثيرها! وعلى الرغم من أنني بقيت مواظباً على الدوام والبيع في المحل حتى انتهاء المرحلة المدرسية، إلا أن التجارة لم ترُق لي، وربما لم أرُق لها على الإطلاق.

كان من الشائع قبل نصف قرن أن يشتري الرجال، خصوصاً من القرى المجاورة للمدينة، ملابس زوجاتهم وبناتهم وأولادهم. وكان الباعة يسألون عن عمر الصبي أو البنت لتقدير قياس الحذاء أو الملبس. أما بالنسبة للنساء، فقد كان أحدهم يأتي بخيط يحدد مقياس قدم زوجته، أو برسم للقدم على ورقة، او ربما يشير بكف يده وأصابعه. وعند طلب "كعب المسمار" كان عمي ينصح الرجل مازحاً بأن يختار شيئاً أقل صلابة تجنباً لأي إصابات حادة قد تلحق به في حالة الخلافات الزوجية، ويقول وهو يعرض عليه نوعاً بديلاً: "يا أخي هذا أرحم لك"! وكان الجميع يتقبل هذا المزاح بصدر رحب وتعليقات ضاحكة.

غابت موضة الكعب العالي الرفيع قليلاً، وحل محله الكعب العريض والكعب المسطح المستوي، واستخدمت النعال البلاستيكية الطرية بدلاً من الجلود. لكن الموضة دوارة، فقد دأب الكعب العالي الرفيع على معاودة الكرّة والالتصاق بقوة بأقدام "الجنس اللطيف".

أعجب كل العجب وأتساءل: كيف تستطيع أية سيدة أو فتاة السير بحذاء يزيد ارتفاع كعبه على 12 سنتيمتراً، خصوصاً على الأرض المائلة أو الرملية أو فوق أرصفة الشوارع غير المستوية؟ فأنا على سبيل المثال- وأعوذ بالله من كلمة أنا- أنتعل حذاءً عريضاً ذا نعل مطاطي ليّن، وعندما أصادف سطحاً مائلاً، أشعر أنني على وشك فقدان التوازن، في حين تتهادى الصبايا والسيدات من حولي بتؤدة ورشاقة وثقة تامة بالكعب العالي الرفيع!

سألت مرة إحدى الزميلات، وهي طويلة بالمناسبة، لماذا تصرين أنت على انتعال الكعب العالي على الرغم من أنه لا ينقصك طول القامة؟ فأجابتني بلهجة ذات مغزى: "إنها الأناقة يا جاهل، ولا تنس ما يخلّفه صوت طرطقة الكعب من أثر"! وثنّى على هذا "الرأي السديد" زميلات أخريات.

واستطردت الزميلة، لا فض فوها، قائلة: "نحن معشر النساء أيضاً نحكم على أناقة الرجل من حذائه، فهندامه لا يكتمل إلا بالحذاء المناسب". فأيقنت على الفور أن بيني وبين الأناقة بعد المشرقين، لأنني أنتعل الأحذية المريحة دائماً، ولا يهمني الشكل كثيراً.

وتصديقاً لـ"حكمة" زميلتي وبعد نظرها وسداد رأيها، فقد حملت الأنباء كلاماً لسيدة عربية أكدت أنها ارتبطت بزوجها بسبب حذائه. حيث قالت إن زواجها كان تقليدياً، فعندما تقدم زوجها لخطبتها لم تكن تعرفه من قبل، لكنها أعجبت بحذائه، ما منحها إحساساً بأنه شخص مسؤول ومنظم!

نصيحة من القلب لكل الرجال، وخصوصاً الشبان الذين هم في سن أولادي.. "أحسنوا اختيار أحذيتكم"!