يذكر اورهان باموق أن والده كان يستخدم في سفراته القصيرة حقيبة يدوية صغيرة، كما يستخدمها أحيانا في نقل بعض المستندات من البيت إلى مكتبه. ويذكر أيضاً أنه، وهو بعد طفل صغير، قد فتح تلك الحقيبة، وفتش بين محتوياتها التي منها تنبعث، في نوع من العذوبة، رائحة الكولونيا وروائح البلدان الأجنبية التي كان الوالد يقصدها في سفراته.
لذلك ظلت تلك الحقيبة زاخرة عند الولد بجاذبية خاصة من قبيل الأشياء التي ظلت تنتمي لماضيه الخاص ولذكرياته.
لكن حكاية هذه الحقيبة ربما لا تبدأ هنا، وبالتأكيد ليس هنا تنتهي.
فقبل عامين من وفاة الوالد أعطى ابنه تلك الحقيبة بالذات، لا سواها، وقال له، بعد أن استعاد مزاجه الساخر المألوف، على وصف باموق: أريدك أن تقرأ ما فيها من مخطوطات فهي كتاباتي الخاصة، مضيفا: أريدك أن تقرأها بعد وفاتي وليس الآن.
كان الوالد مشروع شاعر أو كاتب، ومنه على الأرجح ورث الابن موهبة الكتابة التي حملته فيما بعد إلى جائزة نوبل. لكن الوالد آثر ألا يفسد شبابه، وحياته فيما بعد، بشقاء الكتابة، وفضل أن يعيش حياة رغدة، مع أن موهبة الكتابة ظلت تشاغبه، وكثيراً ما شاهده الابن وهو منهمك في تدوين أشياء في كراريس، ستكون هي تلك نفسها التي حوتها الحقيبة التي سلمها إياه.
على خلاف ما يتبادر إلى أذهاننا من أن الفضول سيأخذ مأخذه من الابن، فلا يعود بوسعه انتظار رحيل وفاة والده كي يقرأ ما في الحقيبة من مخطوطات، فإن العكس هو الذي حدث.
حين رحل الوالد ظل الابن يطوف حول تلك الحقيبة مترددا في لمسها، غير قادر على الاقتراب منها، ولم يجد تفسيراً جاهزاً لتلك الحال من التردد، لكنه يرجح أن السبب عائد إلى ما يصفه بالثقل الملغز الذي بدا أن الحقيبة تنغلق عليه.
في التفسير يقول لعل مبعث ذلك هو خوفه من إمكانية استهجان ما كان أبوه قد كتبه، هو الذي ظل، أي الأب، يشيع من حوله جوا من عدم الجدية وغياب الحزم والرصانة، وأعطى الانطباع بأنه لا يأخذ موضوع الكتابة على محمل الجد أبداً.
لكن اورهان باموق يقدم تفسيراً نقيضاً لتردده: احتمال العثور على أن والده كان كاتباً جيداً، لأنه سيغدو ساعتها، ولا محالة، ملزما بالتعرف الى شخص آخر ظل يسكن بدواخل أبيه لم يتيسر له معرفته.
بدا له ذلك مخيفاً لأنه آثر أن تظل باقية في ذهنه صورة الأب التي عرفها، لا تلك التي ستكشف عنها أوراق الحقيبة.
ما قلناه أعلاه ليس كل الحقيقة.
فبعد مضي أسبوع على تركه للحقيبة بمكتب ابنه أتاه الأب من جديد وقد أحضر معه علبة من الشوكولاته ناسياً أن عمر الابن يومها هو ثمانية وأربعين عاماً. تحدث الاثنان في أشياء كثيرة وضحكا كثيراً. وفي لحظة من اللحظات صوب الأب عينه نحو المكان الذي وضع فيه الحقيبة، فلاحظ أنها تحركت من مكانها.
تقاطعت النظرات بين الاثنين وساد بينهما صمت محرج ما حدا الابن للإشاحة ببصره عن نظرات والده، الذي يبدو أنه فهم أنه قام بفتح الحقيبة والاطلاع على محتوياتها على خلاف ما أوصاه به بألا يفعل ذلك إلا بعد موته.
لكن الأب، الواثق من نفسه المطمئن مع ذاته والسعيد مع قراراته، ضحك كالمعتاد وهم بمغادرة غرفة ابنه دون أن يقول شيئاً بصدد الحقيبة.
نفهم من السياق أن الابن لم يقاوم فضوله، وأنه فتح الحقيبة، على الأقل كي يلقي نظرة على ما فيها، ولكنه سرعان ما أعاد كل شيء إلى مكانه، ربما محمولاً بالشعور بالذنب لأنه لم يعمل بوصية والده بألا يقرأ ما بداخلها الآن.
بعد طول التردد الذي انتابه وقد أصبح والده ميتاً إزاء الموقف تجاه الحقيبة التي فهم من النظرة العجلى التي ألقاها على ما فيها من كراسات قبل وفاة الوالد أنه قد كتبها في أحد فنادق باريس أثناء زياراته لها وهو شاب، حسم أمره وقرر أن يمنح الكراسات وقتاً لقراءتها، فلعل حياة والده تنطوي على سر أو مأساة لم يكن من السهل عليه تحمل وزرها دون اللجوء إلى الكتابة.
لعل بين أشد ما حمله على هذا الاعتقاد إصرار الوالد على ألا تقرأ الكراريس إلا بعد موته. أكان بذلك سيتحاشى حرجاً من نوع ما لو أن ابنه وجد فيها ما يبعث على هذا الحرج، لأنه ساعتها سيكون حراً من أية مشاعر، مهما كانت سلبية، قد تنشأ في نفس ابنه.
ما أن فتح اورهان باموق الحقيبة حتى عادت إليه ذكرى رائحة الكولونيا التي ظلت تنبعث منها لما كان الوالد يستخدمها في أسفاره. الرائحة تستفز الذكرى. انه اختبار مررنا به جميعا في الحياة. فرائحة من الروائح نشمها قد تعيدنا إلى ذكرى غابرة، كأن هذه الذكرى كانت فقط بحاجة لما يوقظها، فتتكفل الرائحة بذلك.
ما كان باموق يخشاه حدث. بعد أن شرع في القراءة، انتابه شعور بالضيق من «الكاتب» الذي كتب تلك الكراسات، لدرجة فكر فيها أن يكف عن الكتابة.