يتمحور دور وسائل الإعلام في القضية التي تتبناها وتطرحها على المجتمعات وفق أطر مدروسة للارتقاء بها، لا أن تكون محصورة فيما يرغب فيه المشاهدون، تاركة المجال للبرامج الجماهيرية أو الشخصيات المعروفة لأن يضعوا توجهاتهم بها حسب هواهم.
وهذا ما نراه من العديد من وسائل الإعلام التي اختارت المهادنة وتقوقعت على ذاتها متوجسة من الصوت العالي لفئة لا تشكل نسبة تذكر، ولكنها ترفع شعارات الحفاظ على العادات والتقاليد حسب اعتقادها، وبالتالي تسيطر على هذه القنوات ما يجعلها دون جدوى مهدرة الميزانيات التي تنفق عليها.
ولطالما كانت بعض القنوات التلفزيونية تستقطب المسلسلات ذات الجماهيرية العالية لكسب المشاهدين، ما جعل البعض يطلق عليهم «وعاظ» يستهدفونها ليروجوا أفكارهم فيها، مهادنين أصحاب هذه القنوات، وهو الأمر الذي استمر لأعوام ما جعل تلك القنوات تلعب دوراً معاكساً للتوجهات العامة دون دراية منها، ومع مرور الوقت اكتشف دور هؤلاء الوعاظ، ومع ذلك سياسات هذه القنوات التحريرية ما تزال كما هي.
والملاحظ في الأعوام الماضية أن بعض هذه المؤسسات تنبّهت لتلك العملية، فغيرت من نهجها ما جعلها أمام مدفع وعاظ التشدد ومريديهم والمغرر بهم من الذين لا يعون حجم التأثير الذي أصابهم طوال الأعوام الماضية من أفكار تهيمن على عقولهم، غير مدركين أنهم وثنيو الفكر، كما قال مالك بن نبي: «الجهل في حقيقته وثنية لأنه لا يغرس أفكاراً بل يُنصّب أصناماً».
بل رأينا أن بعض العاملين في هذه المحطات التلفزيونية المتأخرة يوجهون سهام العداء إلى القنوات التي رسمت لنفسها سياسة تحريرية جديدة وواضحة ضد التشدد، ما يجعل المتابع ينصدم من ضحالة فكر هؤلاء ممن للأسف يكتبون قبل أسمائهم «إعلامي».
اليوم هناك قنوات تلفزيونية خليجية تمكنت من بناء قاعدة فكرية قوية تحرك المجتمعات لمراجعة ثقافتها متسائلة .. كيف تحولت بعوامل التشدد والسياسات المهادنة للإسلاميين؟ ما جعلها تصنع فارقاً، وعلينا دعم هذا التوجه الذي من شأنه أن يصلح ما أفسده الدهر، ولكن عليهم أن لا يمارسوا دكتاتورية بعض المثقفين التنويريين كما يطلقون على أنفسهم.
وهذه دعوة إلى القنوات المتأخرة لبناء نهج واضح من خلال اطلاع مستمر لقضايا المجتمع وخوض حرب ثقافية في تطوير ذواتهم، ما ينعكس تدريجياً على المجتمع، وعليهم أن يعوا أن الإعلام ليس دوره إرضاء الجميع وأن يكون القائم عليه في الصفوف الأولى بل الارتقاء بالذائقة العامة.

 

نقلا عن صحيفة الروية