كثيراً ما نسمع مصطلح «الحصار»، فهناك حصار اقتصادي، وسياسي، وغيرها، ولكن قلما نسمع مصطلح «الحصار الفكري» الذي يجعل العقول محاصرة في واقعها أو ما هو مفروض عليها من قبل أباطرة الفكر كما يظنون أنفسهم، والحديث هنا ليس عن أصحاب الرأي والكتاب والمثقفين فقط، إنما الحديث عن الجميع، أنا وأنت آباء وأمهات، مجتمع بأكمله يُنصّب نفسه فيلسوفاً على الآخرين، فيحاصر فكرهم بفكره هو الذي يرى أنه الصواب وحده ليس سواه شيء آخر.

ينتشر في مجتمعاتنا العربية الحصار الفكري دون أن نعي خطورة الأمر، بل نعتقد أن هذا هو الصواب، وبأبسط مثال يمكننا إثبات ذلك، من منا مُقتنع بفكر ابنه؟ من منا يستطيع أن يعترف أن ابنه قد غلبه فكرياً؟ من منا يعترف أن تلميذاً قد غلب أستاذه، وبصورة أشمل من منا يستطيع أن يقول إن عالم اليوم قد يغلب عالم الماضي، بل على العكس تماماً نحن نربي العقول على محدودية التفكير، هذا الخط الأحمر لا تتجاوزه في الفهم، هذا الأمر مُسلّم لا تفكر به بتاتاً، هل فكر فيه من سبقك؟! إذن فليس من صلاحياتك أن تفكر أو تتفكر فيه أنت، والقاصمة التي تقصف ظهر البعير تلك الجملة القاتلة «من أنت لتخرج لنا بفكر جديد؟!».

منذ اللحظة الأولى التي نرسل فيها أولادنا إلى المدرسة نطالبهم بأن يحققوا أعلى الدرجات، حتى وإن كان السبيل الحفظ لا الفهم، نحاصرهم بأهداف تحد من نتاج عقولهم، أنت يجب عليك أن تصبح طبيباً أو مهندساً، نتدخل في صلب حياتهم فنمارس في حقهم وصاية فكرية نجعل عقولهم ترى أهدافنا لا أهدافهم هم، نجعل عقولهم تحب ما نحب نحن، وقلوبهم بعيدة كل البعد عما يطمحون وما ينوون أن يصلوا إليه في المستقبل، وسبحان الله كلما فشلنا في الحياة كانت وصايتنا أكبر على عقول أولادنا لعلنا نجد فيهم أحلامنا التي تبخرت، متناسين أحلامهم وأهدافهم الشخصية.

الحصار الفكري عنده تتوقف عجلة ملاحقة المعرفة والتفتح الذهني الذي هو رصيد المجتمعات المنتجة للفكر وللأفكار، عنده يُستنزف الإبداع وتصبح الحياة دائرة مغلقة بلا أبواب لا تستطيع الخروج منها إلا بمعجزة، وبسبب هذا الحصار تقدمت مجتمعات كثيرة على مجتمعاتنا العربية في إنتاج المعرفة، فلم يعد لدينا الكثير من «معامل الفكر» التي تأتي لنا بأفكار من الفضاء من خارج حدود الكوكب، وكيف نأتي بها ونحن نمارس سيطرة على العقول تجعل أقصى الطموحات أن نجمع أكثر كمية من المفردات والمعلومات في الذاكرة، ولا نعطي صاحب هذه الذاكرة الحق في إجراء عمليات مقارنة واستنتاج على هذه المعلومات.

قد تتساءل عزيزي القارئ ما الذي تريده مني أيها الكاتب من هذه الكلمات المحبطة، هل تريد لنا أن نبقى في حصارنا وتمارس علينا أنت أيضاً وصاية «اللوم» التي تحبط الأعمال وتحبط الهمم؟ أعطنا الحل إن كنت عليه قادراً، ولا تفعل كما يفعل غيرك ينتقدنا ويمضي!!

ومن قال لكم إني أريد لكم الحل، أو إنه من واجبي أن أكتب الحل ليكون حاجزكم الجديد الذي لا تخرجون عنه!!، أنا أستثير عقولكم لعلها تتفكر وتفكر وتستنبط وتكتشف، فقط خذوا المشورة ولكن تفكروا فيها من جديد، وابحثوا إن كانت تناسبكم؟ هل هي صحيحة أساساً من وجهة نظركم؟ هل يمكن تطبيقها؟

كونوا هدامين للحواجز، واعبروا الحدود، فالعقول وأفكارها سقفها السماء، فلا تجعلوا لها حداً يفرض عليكم، هذه حياتكم، وهذه عقولكم، أبدعوا وقدموا لوطننا ولأمتنا ما تريده منكم من فكر وأفكار وإبداع وابتكار يتناسب مع متطلبات حياتنا وتطورنا.

عندما نتحرر من حصارنا الفكري، سنتحرر من أي حصار يوضع علينا، حينها فقط سنصبح قادرين على إنتاج ما هو أثمن من أي مقدرات وثروات، فالعقول ونتاج أفكارها وإبداعاتها وابتكاراتها هي من تدير الثروات، وهي من تصنع الثروات أساساً، فكرة صغيرة خارج الحدود التقليدية قد تصنع منك عظيماً، فلتكن عظيماً اليوم وكل يوم.