كان الإيقاع الشرقي صاخباً، وبين أغنية وأخرى تنفلتُ ضحكاتٌ محمولة على صهوة الخَدَر تشقُّ خيوط الدخان وتعبقُ في عتمة الساعات المتبقية من نهاية عام ، كدّس أيام العمر في بهو الحياة الصاخبة، روائح عطور متضادّة الأذواق، تنحسرُ كلّما عَلَت الموسيقى وتماهت الأجساد في رقصة الجنون واختلطت الوجوه وتشابكت الأيدي

كأنّ فِراراً جماعياً متفق عليه من ذاكرة عام كامل اختزنت به ذكريات الألم والفرح!

باقتراب الدقيقة الأخيرة، شكّلت  الأصوات جوقة واحدة بالعدّ التنازلي - تسعه، ستّه، أربعه، واااحد، صفر- وانطفأت الأضواء ورمت كُحلةُ الليل عباءتها، وحين لَمَع برقُ الضوء في عينيه استدرك النظر، وارتد اليه الواقع  واضحاً، كان وحده في صمت الليل المطبق ينفثُ جمرة التبغِ ، بينما المطر ينقر إيقاعه الكونيّ على نافذته المتجمّده

كانت الساعة قد قطعت منتصف الليل، وولدت من رحم العتمة الدقائق الأولى للعام الجديد، وهو يشاهد دون اهتمام فيلم " ليلة العام الأخيرة " ! لم تدخل ضحكات الممثلين الابتسامة إلى قلبه،  فقد كانت ضحكاتٌ مدفوعة الأجر، تمثيليّة

وحيداً قطعَ الحد الفاصل بين عامين، يحمله الزمن الى أحداث فيلم السهرة، ويرده حيناً إلى واقعه

بعد هنيهة، مدّ يده لليقين، وراح يحتفي بضوء النهار الجديد !

****

حين طرقَ ضوء النهار المتسلل من سماكة ستارة النافذة جفنيه الناعسين، كانت الساعة قد قاربت الثالثة عصراً، فكّر في كسر روتينه اليومي احتفاءً بأول أيام السنة الفتيّة، سكب قليلاً من نبيذ ليله البارد حتى بدا بلور الكأس مرآة منقوعة بالدم، تأمّل إنعكاس صورته الغارقة بالمرآة الكأس وغرق في متاهات نفسه العميقة، سمع أصواتاً طفوليّة تناديه؛ بابا، وصدى ضحكات فتاة طفلة ترتدُّ في خلجاته فردّته إلى السطح مرّة أخرى

صورته المائلة في مرآة البلّور! ماذا لو أنّه اختار بداية أخرى! منذ ثلاثين عاماً وضع خطوته الأولى في درب مختلف ! ماذا لو أنه الآن إسماً مضافاً لأطفالٍ يشبهونه وفتاة تراهُ مثالها العالي

ماذا لو فاقَ على يدٍ صغيرة تَلُفُّ عنقه وتنشر في عينيه إبتسامة ملاك

هل حقّاً تاهت خطوته يومها ؟ مَنْ يدري !!

لم يَحلِقْ تماماً، وقف تحت تدفّق الماء الساخن يغمضُ عينيه ويتركُ الماء يصفع وجهه المُحلّق صوب الماء المنهمر، يُبدِّلُ مقبض الماء، يميناً ساخناً، يساراً بارداً، ساخن بارد، ساخن بارد ... .

*** 

بعنايةٍ اختارَ طقماً سماويّاً، عَقدَ ربطةً صفراء، ساعة المعصم الداكنة السواد تليقُ بأقفال الأكمام، وربّما رائحة العودِ - عطره المفضّل - لا تكسرها نصال التبغ والطقس الماطر

حدّثَ نفسهُ قبل أن يغلق بابه المُغبَرّ؛ أبدو لائقاً لموعد المفردات الباردة.. يا لهذه المفردات !!