ما يدعو للاستهجان والغرابة في أيامنا هذه، هو ذلك التبدل الكبير والسريع في الكثير من المفاهيم، الذي جرى في إطار سياسات مبرمجة بعناية، وخطط وضعت تفاصيلها منذ زمن بعيد، بما ينسجم وأهداف واضعيها الذين لا همّ لهم سوى تفريغ الأشياء من محتواها الحقيقي، وتسفيف كل ما هو قيم ومسخه، بغية تسطيح حركة الوعي العربية، والسيطرة على العقل العربي وتعليبه ومسخه.

ورغم أن هذه السياسات مست مختلف نواحي الحياة العربية، إلا أن أكثر ما يقلق في الأمر، أن هذا التسفيه طال حتى الإعلام العربي، الذي كان يناط به في السابق رفع درجة الوعي لدى الإنسان العربي، وإذا به ينحدر من مستوى الرسالة الأخلاقية، بكل ما تعنيه الكلمة من قيم، إلى مجرد منصات لتسويق السطحية وتسويق الابتذال ونشره.

ولعل ما يقلق في الإعلام العربي اليوم أنه تحول من إعلام ينقل الحقيقة بموضوعية ورزانة واحترام، تتسم بالحيادية والأخلاقية، والالتزام المبدئي بما يسمى ميثاق الشرف الإعلامي، الذي يضبط العمل في مهنة الصحافة والثوابت المهنية إلى مجرد منصات للتهريج والتملق والانحدار. حيث تراجعت لغة الوقار والثبات والالتزام التي كنا نلمسها في زمن الإعلام الرسمي الموجه، والمنضبط في إطار المصالح الوطنية للدول، إلى مجرد استعراضات سخيفة وساذجة، تنحدر بالعقل والذوق العام العربي إلى الحضيض والدرك الأسفل، وتبعد الإعلام عن أهدافه الحقيقة السامية.

أليس من الغرابة بمكان أن تتحول منتديات إعلامية كانت ذات يوم منصات فكرية ثرية، يحاضر فيها رؤساء دول ووزراء ومفكرون، إلى مسارح تهريج يحاضر فيها مهرجون يلبسون ثوب الإعلام، ومطربات لا يجدن سوى هز البطون والأرداف، أو مروجو الأفلام والبرامج السطحية الغنائية الرخيصة، ومسابقات الابتزاز؟ فيما يجلس في الصفوف الخلفية مفكرون وإعلاميون لامعون، يصغون بصمت ودهشة إلى محاضرات التنظيم السفسطائي لهؤلاء المهرجين، الذين يزعمون المعرفة في بواطن الأمور، فيتحفوا مستمعيهم بما طاب لهم من كلام فارغ وسطحي، بل يسيء إلى الرسالة الإعلامية وأهدافها النبيلة.

والحقيقة المؤلمة هنا هي أن هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم كمحاضرين بارعين، يجيدون فن التمثيل والخطابة، يخلطون الفن الرخيص بالإعلام، يغسلون في الواقع عقول الجيل الصاعد من الشباب، ويقودونه إلى الاعتقاد بأن ما يراه هو الإعلام الجديد بشكله الحديث والمتغير ليواكب الأحداث.

إعلام يدلي من هب ودب بدلوه فيه من دون أي ضوابط ورادع، أو قواعد مهنية، وحتى علمية أو أخلاقية.

ولعل أفضل نصيحة نقدمها لهؤلاء المحاضرين الإعلاميين الجدد هي: عودوا إلى ميادينكم أيها الباعة، فهي أولى بكم، فللإعلام أهله وللرسالة الإعلامية رجالها ونساؤها الذين يعرفون ويقدرون معنى الرسالة الإعلامية الهادفة.