عاش الكاتب الروسي فالنتين راسبوتين (1937 - 2015)، حياته كاملة في سيبيريا، قريباً من بحيرة البايكال الشهيرة. لم تغره أضواء موسكو العاصمة حيث كانت الأبواب مفتوحة أمامه ليعيش فيها، وفضَّل أن يبقى في حضن البيئة التي أحبّها، قريباً من الناس الذين أصبحوا أبطالاً لرواياته، التي ترجم بعضها فقط إلى اللغة العربية، ومن بينها «نقود لماريا»، «الهارب»، «الاحتضار»، «الحريق»، وهذه الأخيرة بالذات تعد من أجمل وأعمق ما كتب. 
إصراره على البقاء في بلدته البعيدة، الغارقة في الصقيع غالبية شهور السنة، نابع من إحساس عميق بضرورة الانتماء للأرض التي ولد عليها. وهو إحساس عبّر عنه في إحدى رواياته بالقول: «إن الإحساس بالوطن مدهش، فأي فرحة وضاءة وأي حنين عذب يهديهما إلينا، إذ يخامرنا في ساعات الفراق تارة، وربما في الساعة السعيدة لتغلغله ونفاذه ورجع صداه، ولا يقف الإنسان بصلابة بدون هذا الإحساس، وبدون إدراكه مسؤوليته عن المكان الذي وهبه له القدر».
كُتبت «الحريق» في أواخر الحقبة السوفييتية، وفيها يتلمس الكاتب الثغرات وأوجه الخلل التي قادت في ما بعد إلى تفكك الاتحاد السوفييتي، وفعل ذلك بأبعد ما يكون عن الخطابة والوعظ، حيث عالج برهافة إنسانية عالية، التصدع الذي أصاب القيم، وهو يرصد الصراع بين النزعات الشريرة والخيّرة في النفس الإنسانية، من خلال اختبار الطرق المختلفة لتعامل الناس مع حريق اجتاح بلدة أتى على كل ما فيها، ففيما برز بشر يقاومون بشجاعة ونبل وتضحية الحريق، بغية إطفائه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كان ذوو النفوس الشريرة مشغولين بسرقة ما يمكنهم من ممتلكات البيوت قبل أن تبلغها نيران الحريق، والهروب بها.
كان الكاتب معنياً في هذه الرواية، كما في أعماله الأخرى، بألا تتحطم التقاليد الخيّرة النبيلة، ويومها أخذ بعض النقاد على الرواية أن الشخصية الرئيسية فيها، وهو رجل بسيط يعمل سائقاً في صناعة قطع الأخشاب، كان يطرح في تداعياته الأشبه بالمنولوج الداخلي مناقشات وأفكاراً ذات طابع فلسفي عميق لا تنسجم مع بساطته، لكن راسبوتين دافع عن الأمر بقوله: لماذا نفترض أن هذا الإنسان البسيط هو رجل ساذج بالضرورة؟ وما المشكلة لو أن الكاتب وضع على لسان بطل روايته ما تختلج به نفسه من أفكار؟
حين انهار الاتحاد السوفييتي وشاع عند بعض الكتاب الليبراليين مزيفي الوعي وهم الإسراع ب«غربنة» روسيا، استشعر راسبوتين في هذا خطراً على الثقافة القومية الروسية، ورأى فيه مقدمة لهيمنة الغرب لا على قرار بلده السياسي وحده، وإنما على ثرواتها الكبيرة، التي تختزن سيبيريا بالذات الكثير منها. 
ولم يكن غريباً أنه هو بالذات في مقدمة من نبّه إلى أن اليهود المهاجرين إلى «إسرائيل» من سيبيريا، أصبحوا ذراعاً للسيطرة على ثرواتها: الذهب، النفط، اليورانيوم، الزئبق، الغابات.