الحديد هو المجاز المطلق الذى يعد امتدادا طبيعيا للآلة البشرية المعقدة.
هو منحة إلاهية توج بها الله الإنسان ليكون سيد المخلوقات.
انه حلم راود الإنسان الذى يتطلع إلى السمو فى الأفق،ولَم يتصور أن جبروت السيطرة على العالم يقبع تحت قدميه فى إنتظار الصدفة أو القدر.
بدأ الإنسان العارى حافى القدمين بالقفز والتسلق للإلتقاط،لكن أنياب الحيوانات أخذت تنهش لحمه وتحطم عظامه،فبات الحلم يراوده لامتلاك هذا الناب المدبب ليرد عليها بالمثل،فاستغل الأشجار مصدر ثماره ليصنع منها رماحا مدببه لم تصمد فى مواجهة أعتى الوحوش التى إقتاتت على اللحم البشرى اللذيذ.
ولَم يجد الانسان المطارد أقوى من الحجر ليفل به الحجر ويصنع رؤوس مسننه لرماحه،والتى لم تصمد هى الاخرى فى مواجهة وحوش الجلد السميك والتى تطورت لتضاهي الجبروت البشرى.
فكر الانسان فى وسيلة أقوى بمساعدة إكتشاف النار من البرق والبراكين والحجر،وأخذ يصنع رماحا من معادن مخلوطة ليكتشف بعدها فلسفة السبك والتنقية والثقل،وخرجت سيوف وفؤوس الفايكينج،امتدادا بالسيف الروماني والفرعوني وعصر العجلات الحربية التى إبتكرها الفراعنة،وسيف الكاتانا على يد الساموراى.
فبعد أن هدأت البطون من صيد الفرائس،إشتعلت القلوب بجبروت السيطرة وبات يصنع ملابسه وحلاه من جلود وأنياب المفترسات،لكنه لم يكتفى بذلك فأخذ يسيطر على مجالها الحيوي ويضع علاماته المميزة لتحديد محيطه والتى لم تكن بولا او برازا أو قطعة من الفرو بالطبع، بل كانت رؤوس الحيوانات التى قهرها والتى إرتدى مخالبها فى يديه وأقنعة من رؤسها،وعندما جفت الرؤوس وسببت له الضيق والمرض بات يصنع الوشوم على وجهه وجسده ويدبب أسنانه ويطيل أظافره ليشبهها.
حتى تحول إلى كائن مخيف لأبناء جنسه،فبات يصنع الرموز لتعبر عن منطقته لتطور إلى أعلام،ليتسع مجاله الحيوي وتهرب الحيوانات إلى البرية الخالية من الانسان لتحن إلى ديارها المسلوبه بهجمات خاطفة،فيلقى الانسان المهيمن باللوم على إنسان أخر أكثر هيمنة أمام نيران الغسق حين تثور لديه حاسة الافتراس، فتندلع الحروب وتقطع الرؤوس وتسلح الجلود ليصنع منها الملابس وأكياس المياه، وتؤكل اللحوم البشرية،وتعلق العظام على أطراف المجال الحيوي.

المجال الحيوي

طالما كان ذريعة الشيطان للسيطرة على العالم فكريا وماديا،فإذا كنت تملك الأدوات والتكنولوجيا فستسيطر سياسيا وإقتصاديا وثقافياً.
فإذا كان الحديد هو إمتداد للقدرة البشرية المادية،فالمجال الحيوي هو إمتداد لقدرته الوجدانية والشغف المستمر بالريادة والتفوق.
فنلاحظ أن الانسان شكل آلاته على شاكلته تحتاج إلى الأكسيجين والمفاصل وناقل الحركة،كجميع الاَلات الحربية من طائرات ودبابات وسيارات وحتى الأسلحة الاوتوماتيكية ونصف الاتوماتيكية والعادية،فالبارود والغاز يحتاج الى محيط من الهواء ليتفاعل،كذلك صمامات المحركات العادية والمتطورة،وتقتات على الذهب الأسود الناتج عن تحلله البيولوجي.
والواقع أن الإنسان طور أدوات على شاكلته سيطرت قرون من الزمان،ولكنه لا يدرك الطامه الكبرى حين إبتكر آلات ليست على شاكلته تعتمد على طاقات متجددة،فهو يستعد لحقبة سيطرة هذه الاَلات ويعد نفسه ليكون خادمًا مطيعا لها،وارتكب خطأ شنيع فى محاولة لفك كود شفرات الحروب بابتكار الحواسيب التى جمدت العقول البشرية وانكمش حيّز الابتكار،وتلاشت الحضارات وظهرت العولمة التى قهرت الشعوب.
وانقلب هرم التقدم مختفيًا بين روائع الحضارات القديمة،التى إستمرت لآلاف السنين ولَم نعلم أسرارها حتى وقتنا هذا، فى حين لم تصمد حضارات حالية سوى بضع عشرات السنين.
فبالرغم من التكنولوجيا والتقدم الذى انعكس على طريقة الحياة والهيمنة،إلا      إنها لعنه صنعها الإنسان، وها هو ينتظر الحصاد،فبعد الحصر والتصنيف والحجز تبدأ التصفية.