في ثمانينات القرن الماضي، قال السينمائي السوري محمد ملص في حوارٍ كان محوره فيلمه الشهير: «أحلام المدينة»، إن أحداث الفيلم جزء من ذاكرته الشخصية، كأحداث، وأزمنة، وأمكنة، فإضافة إلى الحنين الفطري، هناك حنين يتسم بالموقف. 
قال أيضاً، إنه حين ينظر إلى مدينة دمشق، يومها بالطبع، لا يشعر فقط بالحنين إلى ما تعطيه إياه الذاكرة، فحسب، بل يشعر بالحنين إلى تلك المدينة التي تفقد وجهها وملامحها، وتفقد علاقاتها الإنسانية، لذا فإن الحنين، عنده، يسير بخطين أساسيين: الأول تعطيه الذاكرة، والثاني يعطيه الموقف مما تشهده هذه المدينة.
قال أشياء أخرى أيضاً، لا يبدو أنها تقتصر على مدينة دمشق وحدها، وإنما تنطبق على كل العواصم والمدن التاريخية في البلدان العربية، حين تحدث عما بات يطلق عليه الدارسون السوسيولوجيون: «ترييف» المدينة، ولا يعني ذلك هجاء الريف من حيث هو ريف، وإنما زحفه كنمط سلوك على المُدن.
وعن ظاهرة أخرى، تتمثل في النزوع العشوائي ل «عصرنة» المدن بالمعنى التافه للمفهوم، بتشييد عمران نمطي، بعمارات متشابهة، لا تختلف عن بعضها بعضاً في شيء، خالية من أي لمسات جمالية كتلك التي كان المعماري القديم يحرص عليها.
يترافق هذا التنميط بالقضاء على الأسواق القديمة، وإزالة الحارات الشعبية العتيقة، بشوارعها الضيقة الأليفة، خاصة أن الكثير من مباني هذه الحارات تصبح، بسبب الإهمال وهجرة السكان نحو الضواحي الجديدة، آيلة للسقوط، حين لا تجد اهتماماً بترميمها، وإعادة توظيفها ثقافياً ومعمارياً في بنية المدينة، ووظائفها، فتصبح هدفاً سهلاً للإزالة، ومحلها تُشيّد عمارات بلا أي ذوق جمالي، تدرّ على أصحابها ذهباً.
ولكوننا نتحدث هنا عن دمشق بالذات، أذكر أن مجموعة من المثقفين والفنانيين السوريين شكّلوا، قبل عقود، ما يشبه «اللوبي» الثقافي للدفاع عن القلب المعماري لدمشق القديمة من الزحف المعماري الحديث، وربما نجد نظائر لمثل هذا «اللوبي» في عواصم عربية أخرى.
لكن من كان يتوقع أن هذه الجواهر العمرانية النادرة أصبحت، بعد عقد أو عقدين فقط، لا مجرد هدف للزحف المعماري «الحديث»، بعد أن طالها الإهمال، وإنما هدفاً لنيران المدافع، والقاذفات، والبراميل المتفجرة التي لا تستهدف البشر وحدهم، وإنما تطال الحجر أيضاً، الذي جعل منه الأسلاف تحفاً عمرانية جميلة، يوم كانت العمارة فناً يمارس بدقة، تنطلق من إحساس مرهف، شاعري وعلمي في الآن ذاته، بالبيئة المحيطة وشروطها، فإذا بالأجيال الجديدة المعجونة بالتطرف، والتعصب، والطغيان تجد لذّتها في تدمير كل هذا الإرث العظيم، وإزالته عن وجه الأرض.
حين تضع الحرب أوزارها ذات يوم، لا نعلم متى يحين، لن يصبح ممكناً إعادة ما دمّر بالصورة التي كان عليها. مكان هذا الجمال ستنشأ «مدن ملح» جديدة، لو استعرنا اسم العمل الروائي الكبير لعبد الرحمن منيف، خالية من الروح.