الصورة تختصر الواقع: شخصيةٌ بهامة وسعة فكر وثقافة وانفتاح المطران غريغوار حداد، الرجل الإنسان المتحرر من كل حدود وقيود الدنيا، مطران الفقراء، المتجاوز الدين وقشوره إلى الإيمان وسموّه، اللاغي سلطة الوسيط بين مَن في السماء ومَن على الأرض.. النظيف القلب والمنطق، السلمي القول والفعل، المتسامح البسيط المتواضع.. ظِلَّ الله هذا الذي يشبهنا بآلامنا وأتعابنا وأوجاعنا وأحلامنا وجوعنا ورقصنا فرحاً أو انكساراً، انكبّ على إحقاق التواصل الأسمى بين البشر، بألوان انتماءاتهم المتناقضة، بصدق الفعل لا بهرجة الشعارات المرفوعة في المناسبات وبلا مناسبة، وإحقاق التواصل بينهم وبين مراجعهم أو مشاربهم الإيمانية، بالزهد والرفعة وتكريس الذات لخدمة الإنسان أولاً وأخيراً، فلم يتردد في هدم الحواجز والعوائق بين الكنيسة- بما تمثله "كسلطة" دينية- وبين الناس، كل الناس، مؤمنهم وملحدهم، خالقاً تفاعلاً غير مسبوق بين هذه السلطة و"المجتمع المدني" الذي التف حول راعٍ يمشي وسط رعيته، ليقودهم في معارج السلام بعصا المحبة والحوار وقبول الآخر والانفتاح، ولا شيء سواها..

هذا المؤمن الذي غرف من بحور كل الرسالات السماوية، فلم يكتفِ بملء روحه وعواطفه وخطابه من مَعينٍ واحد، ولا بنى حوله سوراً يعزله عن الآخر الذي لم يرمه يوماً بهرطقاتٍ تصنيفية ضيقة، فهدفه هو تكريس الفكرة التي منها انطلق ليعود إليها: الإنسان واحد، والخالق واحد، ورسالات السماء كلها تدعو إلى المحبة والأخوّة والتواضع والصدق ونبذ بهرجات وإغراءات وارتكابات السلطة وكل صور الفصل بين إنسان وآخر، فلا عجب أن يُمضي حياته المتنسكة في خدمة الناس، في إطار "تيار المجتمع المدني" الذي أسسه لأنه رأى فيه الإطار الشامل والجامع للآمال والآلام المشتركة بل الواحدة، كحركةٍ سياسية مجتمعية "علمانية"، نعم علمانية، تسعى إلى بناء مجتمع الإنسان.. ولا عجب أن يجري اتهامه بـ "الانحراف اللاهوتي"، وعزله من منصبه كمطران لأبرشية بيروت، مع "تبرئة الفاتيكان" له لاحقاً من هذه التهمة.. ولا عجب أن يخشاه أهل السياسة، وهم في لبنان زعماء طوائف، حين يطلق آراءه في الاتجاه المعاكس لما يكرّس زعامتهم على من يشاؤون لهم أن يستمروا قطعاناً متفرقة متناحرة..

هذا المطران المثقف آمن بالكلمة والتعليم والثقافة، وأطلق مجلة "آفاق" التي حوّلها منبراً لاهوتياً تفاعلياً مع الفكر الحر المنفتح على الحوار..

هذا الزاهد بالدنيا ومناصبها، الذي اعتكف لخمس سنوات متتالية في ديرٍ للمتوحدين.. غادر هذه الدنيا بصمتٍ مدوٍّ، ليبقى كرسالة منيرة، وكشخصية فريدة ومدرسة في الإنسانية..

بالأمس، سارت وراء هذا "الملك المتواضع" حفنةٌ من الرجال والشباب والصبايا المؤمنين به وبما يمثل، لكنهم بالكاد تجاوزوا العشرات، فيما يكفي نداء أيّ زعيم طائفي لحشد عشرات بل مئات الآلاف من المناصرين المسكونين بالعصبية والغريزة.. بهذه الصورة، تختصر يا مطران الفقراء فداحة خسارتك وخسارة أمثالك.

بسام سامي ضو