تمسك بيده محاولاً العبور نحو الضفة الأخرى الآمنة، وما إن يصل إليها حتى يبتعد عنك، دون أن ينتظرك أو ينظر إليك بامتنان. حالُ هذا الشخص كحالِ العديد من الأشخاص الذين يحيطون بنا، ونتعامل معهم في حياتنا اليومية المتسارعة التي غلبت عليها المصالح. هشّةٌ علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام، سرعان ما تتفتت على صخرة الواقع، أو لدى الاصطدام بحاجز حتى وإن كان وهمياً. 

تعتقد أنّ لديك أصدقاء أوفياء، وما إن تلتفت حولك ذات مرة لتكتشف أنك وحدك، تفصلك المسافات ببعدها الإنساني عنهم. تتذكر بخيبة أمل أنك حينما كنت تنحني احتراماً لهم، كانوا يتسلقون على ظهرك الذي كسرته الأيام القاسية، والذي لم يعد قادراً حتى على احتمالك أنت. رغم أن الدراسات النفسية والاجتماعية تؤكد على أن العلاقات القوية الصادقة القائمة على المودة والصدق والإيثار والدفء تعزز الصحية النفسية والجسدية، وتزيد من القدرة على الإبداع والإنتاج المتميز، إلا أنّنا نتقن فن إهمال هذا الجانب الأساسي من حياتنا، ولا نُعير علاقاتنا الاهتمام الكافي. 

الصداقة من المصادر الرئيسية للشعور بالرضا عن الحياة، والعلاقات الجيدة التي تتضمن العلاقة ما بين الزوجين، وأفراد الأسرة، وبين الأصدقاء توفّر العون المادي، والدعم المعنوي، والمشاركة في الاهتمامات وأنشطة الحياة المختلفة. 


مثل هذه العلاقات نحن بحاجة إليها في هذه الأيام لكونها الرأسمال الحقيقي لكل واحد منّا، لأن من لديه علاقات جيدة يكون أكثر سعادة من غيره، ولأن الوحدة قاسية، وكما هو معروف بأن أهمية العلاقات تنشأ منذ الصغر وتتأصل في الكبر، والصديق الحقيقي غير المشوّه يعدّ مخبأً للأسرار التي لا يمكن البوح بها لأيٍّ كان. 

حينما تضيق بك الدروب رغم وسعها، لا تجد إلاّ الصديق الوفي الذي يقف بجانبك محاولاً أن يشقّ لك الطريق، ويساعدك على رؤية الجانب المضيء من القمر، دون أن ينتظر منك المنفعة التي باتت بوصلة تتحكم بمعظم علاقاتنا هذه الأيام التي شوَّهتها الحياة المادية والمصالح الفردية والمشاعر السلبية المرتبطة بالأنانية والوصولية. 


الصداقة شيء ثمين وقيمة إنسانية عظيمة بين الزوجين، وبين الأبناء، وأفراد الأسرة، وبين من تتواصل معهم في مسرح الحياة اليومية. فهل نحافظ عليها، بدون رتوش ؟ الصديق الحقيقي مرآة للنفس، يقبل عذرك ويسامحك إذا أخطأت. الصديق الحقيقي يرعاك في مالك وأهلك وولدك وعرضك، وهو الذي يعاتبك لحرصه عليك. الصداقة.. مشاركة ومصارحة وتقارب. 


فهل لدينا أصدقاء حقيقيون أم مزيفون، سرعان ما يتناثرون ؟ 


همسة 


«العلاقات الجيدة رأسمالك الحقيقي، والحسابات الجيدة تصنع الأصدقاء»